وحينئذ يقع التعارض بين عقيدة المجتمع الرسمية وشريعته ، وبين أخلاقيات وقيم
أفراده وفئاته ، ففي مجتمع إسلامي ، مثلا ، أو مسيحي أو بوذي ، لا بد أن نكتشف - في
حالة شيوع المقياس الذاتي للقيم بين الأفراد - أن التزام المجتمع بعقيدته وشريعته
التزام شكلي يرافق الإلحاد العملي .
والأثر الذي يترتب على التزام المقياس الموضوعي للقيم في المجتمع أو المقياس
الذاتي هام جدا .
أولا :
يؤدي اعتماد المقياس الموضوعي إلى نمو الفرد دون عقد وتمزقات داخلية ، لأنه يوفر
حالة التجانس والتكامل بين محتوى الضمير والعقل وبين التعبير السلوكي في
العلاقات مع المجتمع وفي داخله .
أما اعتماد المقياس الذاتي فإنه يؤدي إلى خلاف ذلك ، لأن اتباع المقياس الذاتي
يحدث للفرد تمزقات داخلية وعقدا في نفسه ، لأنه يجعله دائما في حالة تعارض
وتجاذب بين الزام العقيدة والشريعة وبين رغبات الذات باعتبارها مصدرا للقيم ،
ويؤدي ذلك إلى انعكاسات ضارة لا تقتصر على الأفراد ، وإنما تتجاوزهم إلى المجتمع
نفسه .
وثانيا :
إن المقياس الموضوعي بما يوفره من تجانس في داخل الفرد بين أخلاقياته من جهة
ومعتقده وشريعته من جهة أخرى يؤدي إلى تلاحم واسع النطاق داخل المجتمع ، ويكون لدى
المجتمع نظرة إلى المشكلات ، ويؤدي أيضا إلى تكوين مواقف واحدة أو متقاربة بين
الجماعات تجاه التحديات التي تواجه المجتمع .
أما اعتماد المقياس الذاتي فإنه يؤدي إلى العكس من ذلك . إنه يؤدي إلى تخلخل
البنية الاجتماعية ، وتعدد الفئات ذات المنازع الفكرية والسياسية المختلفة ،
ويكون مناخا ملائما لتولد المشاكل الاجتماعية وتعاظمها ، لأن المقياس الذاتي
لدى الأفراد والجماعات شديد التنوع والاختلاف .
التاريخ وحركة التقدم البشري ونظرة الإسلام — صفحة 132
مساهمون: الشيخ محمد مهدي شمس الدين
ص١٣٢