واللعن هنا ليس عقابا روحيا وأخرويا فقط ، إنه هنا يأخذ معنى سياسيا ، إن
اللعن هو البعد عن رحمة الله ورعايته ، وهذا يعني أن الملعون يتعرض للنكبات
السياسية والاجتماعية التي تؤدي به في النهاية إلى الانحطاط والانهيار .
والظاهر أن الإمام يعني بالقرن الماضي الإسرائيليين ، فإن في كلامه هنا قبسا من
الآية الكريمة :
لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ، ذلك بما
عصوا وكانوا يعتدون . كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا
يفعلون 1 .
*
في النص التالي اتبع الإمام أسلوب التنظير بالتاريخ أيضا في تعليمه الفكري
لمجتمعه بشأن فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، معيدا إلى أذهان مستمعيه
قصة ثمود القرآنية ، والنكبة المرعبة التي أبادتهم حين عصوا أمر الله تعالى إليهم
في شأن ناقة نبيهم صالح ( ع ) .
وليس من همنا هنا عرض الحادث التاريخي القرآني ، وإنما نبغي الكشف عن استخدام
الإمام للتاريخ في تعليمه الفكري .
والإمام في التنظير الوارد في النص التالي يثير مسألة ذات أهمية بالغة في العمل
السياسي ، وهي أن حركة التاريخ تقودها دائما جماعة قليلة العدد من الناس تملك
القدرة على الحركة فتبادر إلى اتخاذ المواقف ، في حين أن غيرها من الناس يكون في
حالة سكون ، فتكون بحركتها وقائع جديدة تحمل الناس على قبولها ، وتضع السلطة أمام
أمر واقع .
وحين تكون هذه الجماعة المتحركة القليلة العدد ملتزمة بقضايا مجتمعها ، عاملة في
سبيل مصلحته ، فإن واجب المجتمع أن يساندها ويقدم لها العون المعنوي والمادي في
جهادها .
هامش
( 1 ) سورة المائدة ( مدنية - 5 ) الآية : 78 - 79 .