أما حين تعمل هذه الجماعة ضد مصالح المجتمع العليا والحقيقة - رغم ما توشي به
عملها من ألوان خادعة - فإن على المجتمع أن يتحرك ويقف في وجهها ، ويلجم اندفاعها
ذودا عن مصالحه .
أما سكوت المجتمع وسكونه وسلبيته تجاه مواقف هذه الجماعة فإنه جريمة يرتكبها في
حق نفسه ، لأن الكارثة حين تقع في النهاية نتيجة لأعمال الجماعة المتحركة لا تميز
بين المسببين لها وبين الساكتين عنهم . إنها حين تقع تصيب بشرورها المجتمع كله ،
بل لعلها ، في قضايا السياسة والفكر ، تصيب الساكتين عنها أكثر مما تصيب
المسببين لها ، والذين تكمن مصلحتهم في الانحراف والتزوير .
ومن هنا فإن ما اصطلح عليه في لغة السياسة في هذه الأيام باسم الأكثرية
الصامتة ، هذه الأكثرية التي لا تبدي فيما يجري أمامها وعليها ولا تعيد ، وإنما
تقبل ما يقوم به الآخرون مختارة أو مرغمة ، راضية أو ساخطة ، . . . هذه الأكثرية
الصامتة بموقفها هذا تقوم بدور الخاذل للحق أو المتواطئ على الجريمة .
وذلك لأن الصمت في هذه الحالات ليس علامة على البراءة والطيبة ، وإنما هو علامة
الجبن والغفلة والفرار من المسؤولية .
وهذه السلبية التي هي في مستوى الجريمة لا تعفى من العقاب ، والعقاب في هذه الحالة
لا تقوم به السلطة وإنما تقوم به القوانين الاجتماعية التي تصنع الكارثة ، يقوم
به القدر الذي لا يميز بين الساكن والمتحرك وإنما يجرف الجميع ، يقوم به الله
تعالى الذي يؤاخذ الجميع بذنوبهم : المتحركين بذنب المعصية ، والساكتين بذنب توفير
أجواء الجريمة أمام المجرمين ليرتكبوا جرائمهم .
ولذا ، فإن الأكثرية الصامتة ، من هذا المنظور ، لا تضم أبرياء ، وإنما تضم
متواطئين وجبناء ، سببوا ، بإيثارهم للسلامة الشخصية العاجلة ، كوارث عامة
مستقبلية ، وجبنهم الذي يكشف عن أنانيتهم الرخيصة والذليلة يكشف عن أنهم ليسوا
جيلا صالحا لأن يبني حياة مزدهرة .
إن الكوارث الاجتماعية ، كالكوارث الطبيعية ، تجرف في طريقها ، حين تقع النبات
النافع والنبات الضار ، ولا تميز بينهما في الدمار .
التاريخ وحركة التقدم البشري ونظرة الإسلام — صفحة 129
مساهمون: الشيخ محمد مهدي شمس الدين
ص١٢٩