شرح
أصحاب الحديث على روايته على وجه القبول ، بعبارة اُخرى : اتّفاقهم على روايته وتلقّيه بالقبول ، وبالشاذّ ما اختصّ روايته وقبوله ببعض هؤلاء ، على معنى أنّ ذلك البعض مع روايته لما رواه الآخرون وقبوله إيّاه روى غيره ممّا لم يروه الآخرون وقبله ، فالأوّل هو المجمع عليه والثاني هو الشاذّ .
ومحصّل الفرق بينهما : أنّ المجمع [ عليه ] ما اتّفق أصحاب الحديث ونقلته على نقله من الراوي عن الإمام ، والشاذّ ما نقله بعض هؤلاء من الراوي عن الإمام ، وكون المجمع عليه عبارة عن هذا المعنى لا ينافيه إطلاق « المشهور » عليه في قوله : « يترك الشاذّ الّذي ليس بمشهور » ، إذ الشهرة لا تلازم وجود الخلاف لغةً ولا عرفاً عامّاً ولا خاصّاً ، بأن يكون المشهور ملازماً لأن يكون في مقابله خلاف ، فإنّ الشهرة لغةً عبارة عن ظهور الشيء ، والمشهور : المعروف ، ومنه : « شهر سيفه » ، أي سلّه ، لأنّه بإخراجه من الغمد أظهره ، وهذا يشمل صورة الاتّفاق وما يوجد معه الخلاف فيكون أعمّ من المجمع عليه مطلقاً ، فإطلاقه عليه في الرواية إنّما هو باعتبار أحد فرديه ، فحمله عليه ليس تصرّفاً فيه حتّى يستبعد لعدم تحقّق نقل فيه لغةً ولا عرفاً عامّاً ولا خاصّاً ، وإطلاق الشهرة في لسان الاُصوليّين على ما في مقابله خلاف حيثما يطلق عليه - قبالاً للإجماع بناءً على إطلاقه على ما لا يقابله الخلاف - غير مناف لذلك أيضاً ، بل هو أيضاً باعتبار المعنى العامّ لعدم ابتنائه على النقل ، ولو تصرّف فهو تصرّف محدث مبتن على الاصطلاح ، وظاهر أنّ الخطابات الشرعيّة لا تنزّل على الاُمور المحدثة الاصطلاحيّة ، بل العبرة فيها إنّما هي بالمعاني اللغويّة أو العرفيّة .
قوله : « فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه . . . الخ » تعليل لما أمر به من الأخذ بالمجمع عليه ، فيفيد بعمومه جواز التعدّي إلى كلّ مزيّة موجبة لانتفاء الريب في جانبها كائنة ما كانت ، وذلك لأنّ الريب المنفيّ في قضيّة التعليل عن المجمع عليه ليس عبارة عن سنخ الريب وطبيعته حتّى يكون معناه : أنّه لا ريب فيه أصلا لا سنداً ولا متناً ولا دلالةً ولا مضموناً ، ويشهد ذلك اُمور :
منها : تأخّر ذكره عن الأعدليّة وغيرها من صفات الراوي ومرجّحات السند ، فإنّه قاض بأنّ رتبته متأخّرة عن مرتبة أعدليّة الراوي وغيرها من الثلاث المتقدّمة ، وذلك لا يجامع انتفاء طبيعة الريب عنه المستلزم لانتفائه بجميع أفراده وإلاّ لوجب ذكره قبل ذكرها .
ومنها : ما يفرضه الراوي فيما بعد ذلك من كونهما معاً مشهورين رواهما الثقات عنكم ،