شرح
الإتيان بالأقلّ بعد نفي الزيادة بأصل البراءة ، إذ الشكّ فيها جزءاً أم شرطاً أم مانعاً لا يرجع إلى الشكّ في تحقّق المسمّى بدون الزيادة ، لصدق الاسم على الأقلّ معها وبدونها ، فكان قدراً متيقّناً ممّا تعلّق به التكليف ، ويبقى الشكّ في اعتبار الزائد وينفيه أصل البراءة ، بخلافه على القول بالصحيحة لرجوع الشكّ في الزيادة حينئذ إلى تحقّق المسمّى بدون الزائد ، فلابدّ في إحرازه من الإتيان بالأكثر .
ومن مشايخنا من جزم بجريان أصل البراءة على هذا القول أيضاً فقال : « إنّ وجوب الاحتياط في المجمل المردّد بين الأقلّ والأكثر ممنوع ، لأنّ المتيقّن من مدلول هذا الخطاب وجوب الأقلّ بالوجوب المردّد بين النفسي والمقدّمي ، فلا محيص عن الإتيان به لأنّ تركه مستلزم للعقاب ، وأمّا وجوب الأكثر فلم يعلم من هذا الخطاب فيبقى مشكوكاً فيجيء فيه ما مرّ من الدليل العقلي والنقلي .
والحاصل أنّ مناط وجوب الاحتياط عدم جريان أدلّة البراءة في واحد معيّن من المحتملين ، لمعارضته بجريانها في المحتمل الآخر حتّى يخرج المسألة بذلك عن مورد البراءة ويجب الاحتياط فيها لأجل تردّد الواجب المستحقّ على تركه العقاب بين أمرين لا تعيّن لأحدهما انتهى ( 1 ) » .
ولعلّه ( قدس سره ) لحظ أنّ الخطاب في قوله تعالى : ( أقيموا الصلاة ) ( 2 ) وإن كان متعلّقاً بمسمّى الصلاة المردّد بين تحقّقه بالأقلّ أو عدم تحقّقه إلاّ بالأكثر ، ولكن لمّا كان بيان مدخليّة المشكوك فيه في المسمّى واعتباره معه في لحاظ الاختراع والتسمية من وظيفة الشارع والمفروض عدمه ، فيقبح العقاب على المخالفة اللازمة من الإخلال به عند العقل مع الأدلّة النافية لمؤاخذة الجاهل لجهله .
ويشكل : بأنّ التكليف إنّما تعلّق بالصلاة وهي عنوان معيّن في الواقع مردّد في نظر المكلّف بين تحقّقه بالأقلّ أو عدم تحقّقه إلاّ بالأكثر ، وإحراز عنوان المأمور به والإتيان بما يصدق عليه اسمه ممّا استقلّ العقل بالحكم بوجوبه في الحكم بالبراءة وفراغ الذمّة ، فيجوز المؤاخذة على المخالفة على تقدير مدخليّة المشكوك فيه في الواقع في تحقّق أصل العنوان وصدق اسمه ، وردّ عذره بعدم العلم بجزئيّة المشكوك فيه أو شرطيّته أو مانعيّته بأنّك وإن لم تعلم بذلك إلاّ أنّك علمت بتعلّق التكليف بالصلاة ، وأنّه لابدّ في الحكم بالبراءة من
هامش
( 1 ) فرائد الاُصول 2 : 340
( 2 ) البقرة : 43 ، 83 .