إلى أنّها كافلة لتفصيل ما أجمله قوله : ( وما كان المؤمنون لينفروا كافّة ) ( 1 ) فإنّ الآية قد فسّرت بأنّها وردت لنهي المؤمنين عن نفر جميعهم إلى الجهاد ، حتّى أنّهم كادوا يخلّون النبيّ في المدينة وحده ، فأمرهم الله تعالى بأن ينفر من كلّ فرقة طائفة ، ويتخلّف طائفة اُخرى عند النبيّ فيتعلّموا منه ( صلى الله عليه وآله ) مسائل حلالهم وحرامهم ، ويأخذوا منه أحكام اُصولهم وفروعهم ، ويخبروا بما تعلّموه وأخذوا منه قومهم النافرين المجاهدين إذا رجعوا إليهم من الجهاد ، ولا ينافيه الضمائر بعد اعتبار عودها إلى المتخلّفين ، وإن لزم منه خلاف ظاهر لضرب من الاستخدام ، فالمناقشة في الدلالة على الوجه المذكور خلاف الإنصاف .
نعم الّذي يقتضيه الإنصاف ومجانبة الاعتساف ، هو عدم دلالة الآية على حجّيّة خبر الواحد الغير العلمي أصلا لوجوه اُخر :
أوّلها : منع إطلاق إيجاب الحذر بحيث يعمّ ما لو لم يفد خبرهم العلم ، فإنّ قوله : ( لعلّهم يحذرون ) يفيد إيجاب الحذر على كلّ واحد من المنذرين على وجه الإجمال والإهمال ، مع السكوت عن الإطلاق بالنسبة إلى حصول العلم لهم من إنذار المنذرين وعدم حصوله والتقييد بحصول العلم ، فمفاد الآية هو وجوب الحذر على كلّ واحد عقيب الإنذار .
وأمّا أنّ الواجب على كلّ واحد هو الحذر عقيب الإنذار سواء حصل منه العلم بالمنذر به أو لم يحصل ، أو أنّه الحذر بشرط حصول العلم به فهي ساكتة عنهما ، بل معرفة تعيين أحدهما يحتاج إلى بيان آخر ، ولا يكفي فيه هذا الخطاب ، نظير ما لو قال الطبيب لحضّار مجلسه المرضى مع اختلافهم في المرض : « أيّها الحاضرون عليكم بشرب الدواء » فإنّه وإن كان يدلّ على وجوب شرب الدواء على كلّ واحد ، ولا يدلّ على أنّ الواجب على كلّ واحد شرب مطلق الدواء بل لكلّ واحد دواء خاصّ على كيفيّة مخصوصة يجب وصول بيانه بخطابات اُخر ، وله في خطابات الشرع نظائر كثيرة .
منها : قوله تعالى ( أقيموا الصلاة ) ( 2 ) فإنّه يدل على وجوب الصلاة على كلّ مكلّف في الجملة ، وأمّا أنّ الواجب على كلّ واحد هو الصلاة كيفما اتّفقت ، أو أنّه أيّ صلاة وبأيّ كيفيّة فلا دلالة له عليه ، نظراً إلى اختلاف المكلّفين على حسب اختلاف حالاتهم ومقتضياتهم ، فالواجب على كلّ منهم صلاة مخصوصة بكيفيّة مخصوصة يحتاج معرفتها
هامش
( 1 ) التوبة : 122 .
( 2 ) سورة البقرة : 43 .