الكفّار والمشركين من آيات عظمة الله وحكمته وإعلام النبوّة ، ولزمه أنّهم كانوا إذا رجعوا من الجهاد إلى قومهم المتخلّفين في المدينة أخبروهم بكلّ ما شاهدوه ، فهو المراد من التفقّه والإنذار ، ولامهما للعاقبة ومطلق الفائدة لا للغاية ، فالتفقّه والإنذار من قبيل الفوائد الغير المقصود المترتّبة على النفر إلى الجهاد ، لا الغايات المقصودة منه لتجب بوجوبه ( 1 ) .
ففيه : ما لا يخفى ، فإنّ ظهور الآية في وجوب التفقّه ووجوب الإنذار بعده ممّا لا مجال إلى إنكاره ، إمّا لمنع كون المراد من « النفر » هو النفر إلى الجهاد ، كما يرشد إليه روايات متكاثرة معتبرة ، وفيها الصحاح وغيرها المتكفّلة لاستشهاد الأئمّة ( عليهم السلام ) واستدلالهم لبيان وجوب التفقّه بتلك الآية ، بل في عدّة منها الدلالة صريحة على النفر والمسافرة من البلاد البعيدة لمعرفة الإمام استشهاداً بتلك الآية ، ولا ينافيه وقوعها في حيّز آيات الجهاد ، وهذا لا يعطيها السياق الّذي به على خلاف هذا المطلب ، وكم من هذا القبيل في الآيات القرآنيّة ، فإنّها بما هي هي لا سياق لها ، ولا مقتضي لارتباط بعضها ببعض بالنظر إلى نزولها متفرقّة ، فكثيراً مّا ترى أنّ الآية نزلت في مطلب خاصّ غير المطلب الّذي نزلت فيه الآيات السابقة عليها أو اللاحقة بها ، خصوصاً هذه الآية بالنظر إلى الأخبار المفسّرة لها بما فهمه المستدلّون بها المخرجة لها عن سياق آيات الجهاد .
ولقد تعرّض لنقل نبذة منها شيخنا ( قدس سره ) في رسالته في حجّيّة الظنّ ( 2 ) وممّا هو صريح في كون المراد النفر من البلاد إلى النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، رواية عبد المؤمن الأنصاري المرويّة عن العلل ، « قال قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : إنّ قوماً يروون أنّ رسول الله قال : اختلاف اُمّتي رحمة ، فقال : صدقوا ، فقلت : إن كان اختلافهم رحمة فاجتماعهم عذاب ، قال : ليس حيث تذهب وذهبوا ، إنّما أراد قول الله عزّ وجلّ ( فلولا نفر من كلّ فرقة طائفة ليتفقّهوا في الدين ولينذورا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلّهم يحذرون ) فأمرهم أن ينفروا إلى رسول الله فيتعلّموا ثمّ يرجعوا إلى قومهم فيعلّموهم ، إنّما أراد اختلافهم من البلدان لا اختلافاً في دين الله ، إنّما الدين واحد إنّما الدين واحد ( 3 ) .
أو لأنّه على تقدير تسليم كونها من الآيات المتعلّقة بالجهاد ، فهو لا ينافي كون التفقّه ثمّ الإنذار بعده واجباً مقصوداً من باب الغاية من نفر الطائفة من كلّ فرقة إلى الجهاد ، نظراً
هامش
( 1 ) قاله الحسن وأبو مسلم ، انظر التبيان 5 : 321 ومجمع البيان 3 : 83 و 84 .
( 2 ) فرائد الاُصول 1 : 281 .
( 3 ) الوسائل 27 : 141 / 10 . ب 11 من أبواب صفات القاضي .