وإن جعلناه أعمّ من التفصيلي ، وهو تحصيل الظنّ بصدق كلّ واحد من أخبار المخبر ، والإجمالي وهو تحصيل [ الظنّ ] بصدق المخبر في نوع إخباره ، دلّت الآية على حجّيّة خبر المتحرّز عن الكذب ، وإن كان فاسقاً بسائر جوارحه .
وعليه مبنى طريقة القدماء في العمل بخبر الفاسق المتحرّز عن الكذب المعدود عندهم صحيحاً ، فالآية بمجموع منطوقها ومفهومها تدلّ على حجّيّة أخبار الآحاد بجميع أنواعها الأربع المتداولة عند المتأخّرين ، من الصحيح والموثّق والحسن والضعيف المنجبر بالشهرة وغيرها من القرائن الظنّيّة ، أمّا الصحيح فبالمفهوم ، وأمّا الضعيف المنجبر فبالمنطوق نظراً إلى التبيّن الظنّي التفصيلي .
وأمّا الموثّقات والحسان فلأنّ النظر في وثاقة الراوي أو حسن حاله الغير البالغة حدّ العدالة ، تبيّن إجمالي وطلب لظهور الصدق إجمالا .
وفيه : - مع مخالفته لظاهر مادّة « التبيّن » ، ولفظ « الجهالة » ونفس تعليل الآية - نظر واضح ، إذ لو اُريد من التبيّن الظنّي ما يبلغ حدّ الاطمئنان وهو سكون النفس وزوال تزلزله ، رجع ذلك إلى اعتبار الظنّ الاطمئناني بالواقع ، فهو الحجّة في الحقيقة من دون مدخليّة لخصوصيّة الخبر ، مع أنّ هذا هو المقصود من الاستدلال بالآية لا غير .
ولو اُريد به ما يوجب رجحان الصدق ، وإن لم يبلغ حدّ الاطمئنان ، فالحمل عليه بمكان من الفساد لرجوعه في الحقيقة إلى إلغاء الآية وإخراج كلام الحكيم لغواً ، لأنّ لزوم طلب الرجحان في العمل بالخبر من ضروريّات العقول ، ولا يوجد عاقل يعمل به مع الحيرة والتردّد في صدقه وكذبه ، فحمل الآية عليه إرجاع لها إلى توضيح الواضح .
ومن جملة الآيات : آية النفر المذكورة في سورة البراءة ( فلولا نفر من كلّ فرقة منهم طائفة ليتفقّهوا في الدّين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلّهم يحذرون ) ( 1 ) بتقريب : أنّه تعالى أوجب الحذر عند إنذار الطائفة ، من دون اعتبار إفادة خبرهم العلم بتواتر أو قرينة ، فدلّ على وجوب العمل بخبر الواحد ، أمّا عدم اعتبار إفادة خبرهم العلم فلأنّ الطائفة بمفهومها تعمّ الواحد والاثنين والجماعة .
ولو سلّم أنّها لا تعمّ إلاّ الجماعة ولو بقرينة ضمير الجمع ، فلم يعتبر في الجماعة المرادة منها بلوغها حدّاً يفيد خبرهم العلم بصدقهم .
هامش
( 1 ) سورة التوبة : 122 .