تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تعليقة على معالم الأصول — صفحة 623

مساهمون:

ص٦٢٣
شرح
قلت : مناط المفسدة ليس هو المعاقبة واستحقاق العقوبة ، فإنّها عبارة عن المضرّة وكثيراً مّا تكون دنيويّة كمفسدة السمّ بل هو الغالب في المناهي ، وقاعدة اللطف يقتضي دفعها مطلقاً ولا يتأتّى إلاّ بترجيح المنع على الإذن . ولا يتوجّه إلى التمسّك بهذه القاعدة هنا ما أوردناه على الفاضل التوني في تمسّكه بها دليلا على امتناع اجتماع الأمر والنهي ، فإنّ محصّل ذلك الإيراد منع الملازمة بين اجتماع الأمر والنهي وكونه تعالى مقرّباً للعبد إلى المعصية ، لأنّه تعالى لم يأمر بماهيّة المأمور به إلاّ لغرض الطاعة واختيار المكلّف امتثاله في ضمن الفرد المحرّم ليس من قِبَله تعالى فلم يكن مقرّباً له إلى المعصية ، على أنّ تحقّق النهي الفعلي المجامع له كاف في اقتضاء الانزجار عنها من غير حاجة معه إلى اعتبار شيء آخر من عدم أمر أو نحو ذلك ، فاللطف بالمعنى المعروف لا ينهض دليلا على امتناع الاجتماع ، بخلاف ما لو ثبت الامتناع بدليل آخر ووقع الكلام في الترجيح ، ولا ريب أنّ اللطف بالمعنى الآخر بملاحظة المفسدة الواقعيّة وإن لم يتعقّبها معصية فعلا يصلح وجهاً لترجيح جانب المنع على الإذن بتقريب ما تقدّم . نعم لو كان مقصود المقام الاحتراز عن المعصية لما تمّ اللطف إذ لا معصية مع ترجيح الأمر ، فلا يرد عليه : أنّ الوقوع في المفسدة ليس مترتّباً على الأمر لأنّه يترتّب على ترجيح الأمر ، ولا أنّ النهي عن أصل الفعل يكفي في ذلك ، لأنّه على تقدير عدم تعلّقه بهذا الفرد فلا صارف له عن هذا الفرد ولا موجب للتجنّب عن فعله ، فإنّ الداعي إليه غالباً في غالب المكلّفين إنّما هو خوف العقاب بطروّ المعصية لا مجرّد خوف الوقوع في المفسدة الغير المتعقّبة للمعصية واستحقاق العقوبة كما لا يخفى ، فبين المقامين فرق واضح كما بين السماء والأرض . لا يقال : إنّ قصارى ما يقتضيه دليل اللطف بالتقرير المذكور إنّما هو رجحان العمل بمقتضاه وليس كلّ راجح لازماً . وبعبارة اُخرى : العمل بمقتضى اللطف لو ثبت تفضّل منه تعالى بالنسبة إلى العباد والتفضّل ليس شيئاً يجب عليه مراعاته ، والمطلوب لا يثبت إلاّ على تقدير الوجوب . لأنّ وجوب العمل بمقتضاه ممّا يقضي به القوّة العاقلة ويستقلّ بإدراكه ، ويكفي في ثبوته كون تركه تعالى إيصال العباد إلى مصالح اُمورهم وتبعيدهم عن مفاسدها مع علمه بهما وقدرته على الإيصال والتبعيد بُخلا ، وهو منقصة وصفة ذمّ يجب تنزّهه تعالى عنهما