شرح
لم يكن ظاهراً بل بعد ظهور خلافه ، فلا يكون جواباً آخر ، مع أنّ ظاهره المغائرة وكونه جواباً آخر في مقابلة الأوّل ، بل غرضه إنّما هو منع بطلان التالي بمنع كون ما علم به إبراهيم ( عليه السلام ) وجوب الذبح ، بل نفس الذبح بتقريب : أنّه رأى ذلك في المنام أو رأى ما هو تعبيره .
وعلى كلّ تقدير علم بتلك الرؤيا أنّ هذه الواقعة تتحقّق منه في الخارج لا محالة .
وقد ظهر له خلاف معلومه ، ولمّا كان الخطأ في علم الأنبياء غير جائز فلا جرم يكون ذلك من باب البداء الّذي يقول به الشيعة لئلاّ يلزم الخطأ في علمه .
والوجه في ذلك ما ذكره بعض الأفاضل - على ما حكي - أنّ الّذي يظهر من الأخبار الكثيرة المتظافرة من معنى البداء هو أنّ الله تعالى خلق لوحين أثبت فيهما الاُمور :
أحدهما : اللوح المحفوظ الّذي لا تغيّر فيه وهو مطابق لعلمه .
والآخر : لوح المحو والإثبات الّذي يثبت فيه شيئاً ثمّ يمحوه لحِكَم كثيرة ، مثل أنّه يثبت فيه أنّ عمر زيد مثلا خمسون سنة ومعناه أنّ مقتضى الحكمة أن يكون عمره كذا إن لم يفعل ما يقتضي طوله أو قصره ، فإذا وصل الرحم مثلا يمحي الخمسون ويكتب مكانه ستّون سنة ، وإذا قطعه يمحوه ويكتب مكانه أربعون ، ومن جملة الحكم في ذلك حثّ الناس على فعل الخيرات وترك الشرور .
وحاصل الفرق على ما ذكره : أنّ اللوح المحفوظ ما يكتب فيه الاُمور المنجّزة الّتي تتحقّق في الخارج لا محالة ، فلا يعتريه التغيّر بالمحو والإثبات لاستحالة انقلاب علمه تعالى المطابق لما هو فيه جهلا ، ولوح المحو والإثبات ما يكتب فيه الاُمور الشأنيّة الّتي من شأنها التحقّق الخارجي ، لما فيها من الحِكَم الّتي هي منها بمنزلة المقتضيات المعلّقة على عدم مصادفة ما يقتضي خلاف تلك المقتضيات ، على ما هو شأن المقتضي من جواز أن يصادفه مانع يمنعه من الاقتضاء ، فلو اعتراه حينئذ تغيّر بالمحو والإثبات لم يكن منافياً لعلمه تعالى ، لأنّ القضيّة الشأنيّة التعليقيّة باقية على حالها في كلّ حال على حدّ ما حقّق في محلّه من أنّ صدق الشرطيّة لا ينافيه كذب الشرط ، على معنى عدم تحقّقه في الخارج .
وعلى ذلك ينزّل علم إبراهيم ( عليه السلام ) بذبح ولده ، فإنّه كان موافقاً لما هو في لوح المحو والاثبات ممّا هو من مقتضى الحكمة ، وظهور خلاف معلومه في الخارج إنّما هو من باب المحو بلحوق مانع للمقتضي الأوّل من اقتضائه ، ولعلّه الفداء أو شيء آخر ممّا صدر منه حين الإقدام على أداء المقدّمات ، فلا يلزم بذلك خطأ في علمه الأوّل ، ولعلّه على هذا