تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تعليقة على معالم الأصول — صفحة 457

مساهمون:

ص٤٥٧
شرح
ولا ينافي ما استظهرناه من كون الأمر للتوطين والامتحان مع ظهوره في الحقيقي قوله تعالى : ( وفديناه بذبح عظيم ) ( 1 ) لأنّ الفداء على ما في كلام بعض أهل اللغة ( 2 ) وفي تفسير ( 3 ) الآية هو جعل شيء مكان شيء آخر لدفع الضرر عنه ، وهو في المقام لدفع الضرر المتوهّم لفهمه من ظاهر الأمر كونه أمراً حقيقيّاً ، أو لدفع ضرر ما لم يحصل من المقدّمات من أذيّة إمرار المدية أو قطع الجلد أو بعض الأوداج أيضاً . كما لا ينافي ظهوره قول ولده : ( يا أبت افعل ما تؤمر ) ( 4 ) نظراً إلى أنّه تعبير بلفظ المضارع المشعر بأنّ الأمر كأن لم يتحقّق بَعْدُ لا بلفظ الماضي الدالّ على تحقّقه ، لوضوح اندفاعه : بأنّ المضارع حقيقة في الحال ، وإنّما أتي به لمراعاة المطابقة بينه وبين قوله : ( يا بنيّ إنّي أرى في المنام أنّي أذبحك ) ( 5 ) المؤدّي بلفظ المضارع تنبيهاً على تكرار الرؤيا ، نظراً إلى ما قيل : إنّه رأى ليلة التروية أنّ قائلا يقول : « فإنّ الله يأمرك بذبح ابنك » فلمّا أصبح روّى أنّه من الله أو من الشيطان ، فلمّا أمسى رأى مثل ذلك فعرف أنّه من الله ، ثمّ رأى مثله في الليلة الثالثة فهم بنحره وقال له ذلك ، ولهذا سمّيت الأيّام الثلاثة بالتروية وعرفة والنحر . هذا مع إمكان أن يقال : « إنّ افعل ما تؤمر » قضيّة يؤتى بها في العرف غالباً لإظهار الرضا والتسليم والتمكين بالواقعة على تقدير وقوعها ، كما يقال : « افعل ما تشاء » أي أنت مرخّص في فعل كلّ ما تشاء على تقدير حصول المشيّة فعلا أو استقبالا ، فيكون مفاد الآية : « إن تنجّز لك الأمر بذبحي واتّفق تعلّقه به منجّزاً فافعله فإنّي راض به وصابر عليه » وإنّما اُتي بتلك العبارة لما فهم من قوله ( أنّي أرى في المنام أنّي أذبحك ) أنّ هذه رؤيا صادقة أو تنتهي إلى الصدق وهو وقوع الأمر في الخارج لما تحقّق عنده من كون رؤيا الأنبياء صادقة . وممّا قرّرناه تبيّن أنّه لا معارضة بين قوله : ( صدّقت الرؤيا ) وقوله : ( أنّي أذبحك ) إذ لا تجوّز في التصديق على شيء من المعاني المذكورة ، مع أنّ التجوّز في « أذبحك » لازم لا محالة وإن حملنا الأمر به على الأمر الحقيقي ، لأنّ الذبح الحقيقي كالقتل يعدّ من الأفعال التوليديّة ، ومن خواصّها إنّها حيثما اُسندت إلى الفاعل المختار يراد منها فعل المقدّمات ، وهذا مجاز شائع في العرف بل يمكن دعوى الحقيقة العرفيّة في ذلك ، فلا يلزم بحمله على فعل المقدّمات مجاز ليكون معارضاً للمجاز في التصديق ، وعلى تقديره فهو أولى لشيوعه ، فتأمّل .( 1 ) الصّافات : 107 . ( 2 ) مجمع البحرين 2 : 83 . ( 3 ) مجمع البيان 8 : 224 وعيون أخبار الرضا 2 : 138 . ( 4 و 5 ) الصافّات : 102 .