لثبت قول الكعبيّ بانتفاء المباح * ،
شرح
اتّصاف كلّ من المتلازمين بحكم من الأحكام الخمسة المعروفة مضادّ لما اتّصف به
الآخر لو صحّ وأثّر لثبت قول الكعبي .
* وهذه شبهة معروفة عن أبي القاسم الكعبي وقد تقدّم منّا في بحث المقدّمة ما يدفعها ،
واتّفق الجمهور على بطلانها ، وقد يعبّر عنه بعكس عنوان المسألة وهو : أنّ النهي عن الشيء
لا يستلزم الأمر بضدّه ، ولازم مذهب الكعبي أنّه قائل بالاستلزام .
واختلفت كلمتهم في تقريره وبيان مراده ، فمنهم من يستفاد منه أنّه قائل بوجوب
المباح لذاته لكونه عين ترك الحرام وهو واجب لذاته ، كما في المنية عند نقله احتجاج هذا
القول بأنّ المباح ترك الحرام وترك الحرام واجب فالمباح واجب .
ويستفاد ذلك عن المدقّق المحشّي أيضاً في قوله : وذكروا في تقرير شبهة الكعبي أنّه ما
من مباح إلاّ وهو ترك حرام ، فإنّ السكوت ترك للقذف والسكون ترك للقتل ، وترك الحرام
واجب .
ومنهم من يستفاد منه - كما في مختصر الحاجبي وبعض شروحه - كونه قولا بوجوب
المباح بالعرض الغير المنافي لإباحته بالذات ، حتّى أنّ العضدي جعله وجه جمع بين هذا
القول وإجماعهم على وجود المباح ، حيث قال - في عبارته المحكيّة - : و " نؤوّل الإجماع
على ذات الفعل لا بالنظر إلى ما يستلزمه جمعاً بين الأدلّة " .
وذكر في شرح هذا الكلام : " أنّه إشارة إلى جواب سؤال وارد على الكعبي ، وتوجيه
السؤال : أنّ الدليل الّذي ذكره الكعبي على أنّ كلّ مباح واجب يقتضي كون أفعال المكلّفين
الّتي تعلّق بها الأحكام أربعة ، ضرورة كون المباح حينئذ واجباً وهو خلاف الإجماع ، لأنّ
الجمهور أجمعوا على أنّ الأفعال تنقسم إلى خمسة واجب ومندوب ومباح ومكروه
ومحرّم ، فيكون الدليل المذكور باطلا .
وتقرير الجواب : أنّ الإجماع يحمل على أنّ الأفعال نظراً إلى ذاتها مع قطع النظر عمّا
يستلزمها من كونها تحصل بها ترك الحرام تنقسم إلى الخمسة ، فيكون الفعل المباح نظراً إلى
ذاته لم يخرج عن كونه مباحاً ، وبالنظر إلى ما يستلزمه من كونه تحصل به ترك الحرام يكون
واجباً ، وإنّما أوّل الإجماع على هذا ليكون جمعاً بين الدليلين " انتهى .