شرح
ولا جزء له حتّى يقال بكونه هو النهي عن تركه ، وأمّا الالتزام بجميع أقسامه فلأنّا نرى
كثيراً نأمر بالشيء ولا نلتفت إلى تركه فضلا عن النهي عنه .
وجوابه : ما تبيّن سابقاً من أنّ انتفاء الالتفات إلى الترك حين إنشاء الوجوب بالمرّة
حتّى إجمالا ممنوع بل غير معقول ، كيف وأنّ الالتفات إلى رجحان الفعل الّذي هو ممّا لابدّ
منه تجرّ قهراً إلى الالتفات إلى كلّ من الفعل والترك ولو إجمالا كما هو شأن كلّ أمر نسبي .
ولو سلّم فإنّما ينهض ذلك دليلا على نفي الطلب الفعلي وهو ليس بلازم ، لما تقرّر في
بحث المقدّمة من كفاية الطلب الشأني في انعقاد الأحكام شرعيّةً كانت أو غيرها وهو ثابت
في المقام جزماً ، إذ ترك المأمور به في حدّ ذاته بحيث لو حصل إليه الالتفات أو بنى على
جعل حكم له لنهى عنه وصرّح بتحريمه ، وإنكاره دفع للضرورة ، بل الظاهر إنّ المستدلّ أيضاً
لا ينكره فيعود النزاع حينئذ بينه وبين القائل بالدلالة لفظيّاً ، حيث أنّ القائل بها يدّعي كون
الطلب الشأني الثابت هنا بالنسبة إلى ترك ضدّ المأمور به نهياً ، والنافي ينكر الطلب الفعلي
بالنسبة إلى ترك الضدّ ، أو يرجع إلى كونه في أمر صغروي وهو أنّ الطلب الشأني الثابت هنا
اتّفاقاً هل يعدّ من النهي المقتضي للتحريم أو لا ؟ فالمثبت يدّعي الأوّل والنافي ينكره وإنّما
يقول باعتبار الطلب الفعلي ، ولقد عرفت ضعفه بما لا مزيد عليه فراجع حتّى تتذكّر .
ويمكن أن يقال : إنّ نفي الدلالة رأساً لم ينشأ عن إنكار كفاية الطلب الشأني في انعقاد
التحريم ، بل عن عدم انطباقه في خصوص المقام على التحريم الّذي هو أحد الأحكام
الخمس المبائن للوجوب ، بل لو فرض ذلك الطلب فعليّاً لما كان من التحريم في شيء ،
وذلك لما تبيّن في تأسيس القاعدة المتقدّمة من أنّ امتياز التحريم عن الوجوب بتعلّق
الطلب المعتبر فيه بالترك الحقيقي المناقض للفعل وتعلّقه في الوجوب بالفعل الّذي هو أمر
وجودي مناقض ، وبه يمتاز النهي عن الأمر أيضاً كما لا يخفى ، والطلب المفروض في المقام
متعلّق بترك الترك وهو إمّا عين الفعل كما توهّم أو مفهوم منتزع عنه ، وكائناً ما كان فطلبه ولو
فعلا لا يندرج في ضابط التحريم ، فإذا لم يكن ذلك تحريماً لم يكن نهياً أيضاً ، فالأمر على
فرض دلالته عليه لم يكن دالاّ على ما كان تحريماً ولا نهياً عن الضدّ العامّ ، وتسمية ذلك نهياً
من باب التجوّز على فرض صحّته خروج عمّا هو محلّ النزاع ، لظهور النهي في عنواناتهم
ومطاوي كلماتهم في النهي الحقيقي المقابل للأمر المفيد للتحريم الحقيقي المقابل للإيجاب .