تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تعليقة على معالم الأصول — صفحة 657

مساهمون:

ص٦٥٧
شرح
توهّم أنّا نجوّز الأمر بالمتضادّين كالكتابة والنساجة في زمان واحد ، كيف وأنّ تجويز التكليف بالمحال من خواصّ الأشاعرة ونحن بريئون عن هذا المذهب ، والجمع بين المتضادّين محال لا من جهة التمانع - كما توهّم - بل من جهة استلزام وجود كلّ عدم الآخر ، فلو سوّغنا الجمع بينهما في الوجود لسوّغنا الجمع بين وجود كلّ مع عدمه لاستحالة انفكاك اللازم عن ملزومه ، ولمّا كان الجمع بين وجود شيء وعدمه محالا بالذات كان ما يستلزمه وهو الجمع بين وجوده ووجود ضدّه محالا ، ضرورة كون ملزوم المحال محالا ، غايته كون الاستحالة بالقياس إليه بالعرض لا بالذات كما في لازمه ، فيقبح بضرورة العقول من الحكيم العدل أن يلزم العبد بالجمع بينهما ، بأن يأمر بهما معاً أمراً عينيّاً وأراد الامتثال بهما في زمان واحد . فلو صدر منه أمران بشيئين متضادّين لابدّ من الالتزام بالتفريق بينهما في الامتثال إن لم يعلم بإرادة الامتثال في زمان واحد ، وإلاّ فلا مناص من حمله على إرادة التخيير وإن كان الأمر بمجرّده ظاهراً في العيني ، لأنّ المصير إلى خلاف الظاهر مع قيام القرينة - عليه وإن كانت عقليّة - ممّا لا حزازة فيه أصلا ، ولذا صرنا سابقاً في الواجبين المضيّقين إلى التخيير بينهما أو ترجيح ما هو الأهمّ منهما وفاقاً لغير واحد من الأعلام . ولكن يبقى في المقام إشكالان : أحدهما : أنّ الجماعة أطلقوا في الحكم بترجيح ما هو الأهمّ منهما ، وهو إنّما يتمّ إذا كان تعلّق الأمر بالمتضادّين على سبيل الإجمال ، كما لو كان كلّ فرداً من عامّ مأمور به أُصولي كقوله : " أكرم العلماء " أو منطقي مع استفادة التكرار بمعونة الخارج كما في قوله : " أطع والديك " و " أنقذ الغريق " ونحوه ممّا علّق على وصف مستفاد منه العلّية عرفاً لما ستعرفه ، وأمّا إذا تعلّق الأمر بهما على سبيل الاستقلال والتفصيل كما لو جمع بين الكتابة والنساجة وأمر بهما معاً تفصيلا فلا ، لأنّه لو كان المتعيّن عنده ما هو الأهمّ عندنا لكان عليه الاقتصار به فقط في الخطاب لئلاّ يلغو الخطاب بغيره لعدم تعلّق غرضه به والحكيم منزّه عن ذلك ، فلابدّ حينئذ من إلغاء جهة الترجيح ويقال بالتخيير أيضاً ، بدعوى عدم الملازمة بين كون الشيء أهمّ عند الله في نظرنا وكونه كذلك في الواقع ، لجواز الخطأ علينا في فهم الأهمّيّة وإنّما يكشف الجمع بين الخطاب به والخطاب بغيره عن تساويهما في الرتبة في نظره ، فلا يكون التخيير حينئذ تسوية بين الراجح وغيره