تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تعليقة على معالم الأصول — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
شرح
أبي بكر وهو قوله : " الواجب ما يذمّ تاركه شرعاً على بعض الوجوه " فقولنا : " ما يذمّ " أجود من قولنا : " ما يعاقب " لأنّ الله تعالى قد يعفو عن تارك الواجب ولا يقدح ذلك في وجوبه ، وخير من قولنا : " ما يخاف العقاب على تركه " لأنّ ما ليس بواجب قد يخاف على تركه عند الشكّ في وجوبه ، وقوله : " شرعاً " ليخرج به الواجب العقلي الّذي يذمّ تاركه عقلا عند من يقول به ، وقوله : " على بعض الوجوه " ليتناول التعريف الواجب الموسّع والمخيّر والكفاية ، فإنّ الموسّع يذمّ تاركه على بعض الوجوه وهو ما إذا تركه في جميع وقته ، والواجب المخيّر إذا أخلّ جميع الخصال ، والكفاية إذا تركه المكلّفون بأسرهم . وهذا الرسم ارتضاه فخر الدين الرازي وأكثر المتأخّرين من الأشاعرة . واعترض : بأنّه غير مطّرد ، فإنّ الساهي والنائم والمسافر وغيرهم من ذوي الأعذار لا يجب عليه الصوم مثلا ويذمّون على تركه شرعاً على بعض الوجوه ، وهو تقدير انتفاء أعذارهم . فإن أُجيب : بأنّ الوجوب ثابت على ذلك وإنّما يسقط بالنوم والسهو والسفر . قلنا : فالواجب على الكفاية والموسّع والمخيّر يسقط بفعل البعض وبفعله في آخر الوقت ، وبفعل بدله ، فلا حاجة إلى القيد فيها كما لا حاجة إلى القيد في النائم والساهي والمسافر . والمصنّف - قدّس الله روحه - حذف من الحدّ المذكور هذا القيد ، أعني قوله : " على بعض الوجوه " لذلك ، واقتصر على ما قبله مع حذف قوله : " شرعاً " لأنّ الوجوب عنده قد يكون عقليّاً كما يكون شرعيّاً فيذمّ تاركه عقلا . ولا يرد عليه النقض في عكسه بالواجب المخيّر والموسّع والكفاية لتحقّق الوجوب فيها مع أنّ تاركها لا يذمّ ، لأنّ الواجب في المخيّر الأمر الكلّي ، إلى آخر ما قال . ولا يذهب عليك انتقاض هذه الرسوم بأسرها عكساً بمقدّمة الواجب على القول بوجوبها ، إذ لا يستحقّ تاركها الذمّ ولا العقاب على تركها عند القائل بالوجوب ، وطرداً بترك المندوبات إذا نشأ على جهة الاستكبار أو الاستخفاف مع عدم وجوبها جزماً ، وكذلك بترك جميعها بحيث يؤدّي إلى التجرّي على ترك الواجبات بل بترك الجماعة لثبوت الذمّ في الشريعة على ما يشهد به الأخبار الواردة على تاركها مع كونها مندوبة ، بل بترك بعض المباحات أيضاً حيث ورد الذمّ على تارك أكل اللحوم بالمرّة . وقد يذبّ عن الأوّل : بأنّ المأخوذ في الحدّ هو استحقاق الذمّ أو العقوبة وهو يعمّ ما لو كان الاستحقاق المذكور على تركه أو ترك غيره وذلك حاصل في المقدّمة أيضاً .