تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تعليقة على معالم الأصول — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢
شرح
هذه الأوامر منه تعالى إنّما هو من مقتضى اللطف الواجب عليه الّذي هو عبارة عمّا يقرّب إلى الطاعة ويبعّد عن المعصية ، وكذلك الغرض من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، فإنّهما أيضاً لأجل حصول القرب والزلفى كما يستفاد من قوله تعالى ( إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) ( 1 ) . مضافاً إلى أنّ المعنى الّذي ذكروه لا يساعده عليه شيء من العرف واللغة ، إذ العبادة على ما يقتضيه الاستعمالات العرفيّة وتنصيص أهل اللغة هو التذلّل والانقياد وغاية الخضوع ، ويشهد بذلك أيضاً أنّ المشركين كانوا يعبدون من دون الله ولم يكن العبادة منهم عبارة عن الإتيان بالمأمور به ، حيث لا أمر لهم في معبوداتهم ، وإنّما المراد بعبادتهم تذلّلهم لأصنامهم ، وهو المراد بقولهم : ( ما نعبدهم إلاّ ليقرّبونا إلى الله زلفى ) ( 2 ) فلا مدخل للعبادة بهذا المعنى في الأعمال الّتي هي مناط الاستدلال من حيث اشتراطها واقترانها بقصد الإخلاص ، وإنّما المراد أنّهم أُمروا بما أُمروا ليحصل لهم التذلّل لله تعالى حال كونهم مخلصين له ما به التذلّل وهو الدين ، على أنّ التذلّل له قسمان : أحدهما : كونه خالصاً لوجهه الكريم من غير تشريك لغيره معه . وثانيهما : كونه له مع تشريك غيره معه على ما هو دأب المشركين كما يدلّ عليه الآية المتقدّمة ، فيقام الآية للدلالة على أنّ مطلوبه تعالى هو القسم الأوّل خاصّة ، فيكون مفادها إرادة التوحيد في مقابلة الشرك ، على أنّ الإخلاص يكثر استعماله في التوحيد فقوله : ( مخلصين له الدين ) ( 3 ) أي موحّدين إيّاه في دينهم ، ومن هنا سمّيت سورة التوحيد بكلمة الإخلاص كما لا يخفى . ويشهد بما ذكرنا أيضاً ما عن ابن عبّاس : من أنّ العبادة كلّما أُطلقت في الكتاب العزيز يراد بها ما يقابل الكفر والشرك ، كما في قوله تعالى ( قل الله أعبد مخلصاً له ديني ) ( 4 ) و ( فاعبدوا ما شئتم ) ( 5 ) ومنه قوله تعالى : ( قل يا أيّها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد ) ( 6 ) الآية ، ولذلك ترى اقترانها كثيراً بذكر ما هو من أهمّ أُصول الدين وفروعه ، كاقترانها في الآية المستدلّ بها بما هو من مهمّ آثار الموحّدين وهو الصلاة والزكاة ، ومن هذا الباب ما في قوله تعالى ( وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلاّ الله وبالوالدين
هامش
( 1 ) العنكبوت : 45 . ( 2 ) الزمر : 2 . ( 3 ) الأعراف : 29 . ( 4 ) الزمر : 14 . ( 5 ) الزمر : 15 . ( 6 ) الكافرون : 1 - 3 .