شرح
سبع " القاضي بكون عمل الصبيّ شرعيّاً على القول الأوّل وتمرينيّاً على القول الآخر ، للقطع
بعدم الوجوب على الأولياء كما صرّح به بعض الأعاظم ، فعليه يشكل الحكم بخروج مثل
قوله ، " مُرْ عبدك أن يتّجر " عن محلّ النزاع ، تعليلا بأنّه ليس من باب الأمر بالأمر اتّفاقاً كما
عن بعض الأجلّة .
فإنّ غايته أنّ المراد بقوله : " مُرْ " إنّما هو الإرشاد ، فيجري الكلام فيه بأنّ هذا الإرشاد
هل يراد بالنسبة إلى العبد أيضاً في اتّجاره أو لا ؟
ولكنّا نفرض الكلام فيها على تقدير كون المراد بها معناها الحقيقي ، فنقول : إنّها إذا
تعلّقت بالأمر بشيء فتدلّ على الأمر بذلك الشيء دلالة التزاميّة عرفيّة ، فإنّ الطلب الحتمي
للأمر بقتل زيد عمراً يلزمه كون قتل عمرو مطلوباً من زيد على سبيل الحتم لزوماً عرفيّاً ، كما
يساعده الفهم العرفي ، ويشهد به الاستعمالات الجارية في العرف .
وأقوى ما يشهد بذلك أنّ القاصد للترك العالم بالأمر من الخارج لا من تبليغ الواسطة لا
يكاد يعتذر بما يكون مسموعاً إلاّ بعدم العلم به والعثور عليه ، فلو اعتذر بعدم بلوغ الخبر إليه
من الواسطة مع اعترافه بالعلم به من الخارج لم يكن معذوراً عند العرف ، فيستحقّ الذمّ
والعقاب لو كان عبداً ، أو ممّن يجب عليه إطاعة الآمر وتتوهّن فيه الصداقة والمؤاخاة لو كان
من أصدقائه وإخوته ، وإنّما جعلنا الالتزام عرفيّاً للقطع بانتفاء اللزوم العقلي بجميع أنواعه
بما يجوّزه العقل من كون غرض الآمر بالأمر ابتلاء الثالث وامتحانه ، أو إعلام حاله للواسطة
من كونه
بالنسبة إلى الآمر في غاية الإطاعة والانقياد ، أو أعلى مرتبة الصداقة والمؤاخاة ، أو كونه في
كمال المخالفة والعصيان ، أو نهاية النفاق والعدوان ، أو غير ذلك من مقاصد العقلاء كما يتّفق
كثيراً .
وأمّا من يستدلّ من المنكرين بعدم الدلالة بجميع أنواعها ، أمّا غير الالتزام فظاهر ، وأمّا
الالتزام فلعدم الملازمة ، فإن أراد بها الملازمة العقليّة فعدمها مسلّم ، إلاّ أنّه لا يوجب ثبوت
دعواه ، وإن أراد الملازمة العرفيّة فيردّه ما ذكر .
وأمّا استدلالهم أيضاً بالنبويّ المعروف " مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع " بتقريب : أنّه لا
وجوب على الصبيان اتّفاقاً ( 1 ) .
هامش
( 1 ) وربّما يقرّر الدليل : بأنّه لو كان كذلك لزم تكليف الصبيان والتالي باطل إجماعاً ولقوله ( صلى الله عليه وآله ) : " رفع القلم
عن ثلاثة ، عن الصبي حتّى يبلغ ، وعن النائم حتّى يستيقظ وعن المجنون حتّى يفيق " فالمقدّم مثله .
بيان الملازمة : إنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) أمر البالغين أن يأمروا الصبيان بالصلاة بقوله : " مروهم بالصلاة وهم أبناء
سبع " .
وأجاب عنه بعض الأجلّة : بأنّ الممتنع هو تعلّق التكليف على سبيل الوجوب بالصبيان لا مطلقا ، بل
يمكن كونهم مأمورين بشئ على سبيل الاستحباب ، وما نحن فيه من هذا القبيل ، فإنّ الأمر المتوجّه إلى البالغين هو الأمر الاستحبابي لا الوجوبي ولا محذور في تعلّقه بالصبيان ، بل التحقيق أنّه ليس بتكليف حقيقة .
فمحصّل الجواب : منع الملازمة إن أُريد من التكليف الوجوبي ، ومنع بطلان التالي إن أُريد الأعمّ ،
سلمّنا الامتناع مطلقاً لكن عدم البلوغ هنا مانع من التعلّق ، ومن عدم تعلّقه بالمأمور الثاني في محلّ
خاصّ لسبب المانع لا يلزم عدم تعلّقه مطلقا وإن لم يكن هناك مانع .
واستدلّوا أيضاً : بأنّه يلزم على هذا التقدير صحّة كون الشخص آمراً لنفسه إذا أمر غيره أن يأمره
بفعل ، والتالي باطل والملازمة ظاهرة .
وأجاب عنه بعض الأجلّة : بأنّ المقصود - بعد تسليم الاستحالة - التذكّر لا الأمر غالباً ، والإرشاد إلى
بعض المصالح المتعلّقة بالمأمور توطئةً أحياناً ، على أنّ عدم التعلق في محلٍّ لمانع - وهو هنا استحالة
كون الشخص آمراً لنفسه - لا يقدح في إثبات القاعدة كما مرّ ( منه ) .