والأَرْحَامَ ) ( 1 ) ، وقُرِئَ : " تَسَاءَلُونَ بِهِ " ، فَمَنْ قَرَأَ " تَسَّاءَلُونَ " ، فالأَصْلُ : تَتَساءَلُونَ ، قُلِبَتِ التَّاءُ سِيناً ، لِقُرْبِ هذهِ مِن هذهِ ، ثمَّ أُدْغِمَتْ فيها ، ومَن قَرَأَ " تَسَاءَلُونَ " ، فَاَصْلُهُ أيضاً : تَتَساءَلُونَ ، حُذِفَتِ التَّاءُ الثَّانِيَةُ ، كَراهِيَةً لِلإعَادَةِ ، ومَعْناهُ : تَطْلُبونَ حُقُوقَكُمْ به .
تَنْبيهٌ :
قالَ ابنُ الأَثِيرِ : السُّؤَالُ في كتابِ اللهِ والحديثِ نَوْعانِ : أَحَدُهما ما كانَ على وَجْهِ التَّبْيِينِ والتَّعْلِيم ، مِمَّا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ ، فهوَ مُبَاحٌ ، أو مَنْدُوبٌ ، أو مَأْمُورٌ به ، والآخَرُ ما كانَ على طَرِيقِ التَّكْلِّفِ والتَّعَنُّتِ ، فهوَ مَكْرُوهٌ ، ومَنْهِيٌّ عَنْهُ ، فَكُلُّ ما كانَ مِن هذا الوَجْهِ ، ووَقَعَ السُّكُوتُ عَنْ جَوابِهِ ، فَإِنَّما هو رَدْعٌ وزَجْرٌ للسَّائِلِ ، وإِنْ وَقَعَ الْجَوابُ عنه ، فهو عُقُوبَةٌ وتغْلِيظٌ .
وفي الحديثِ : " كَرِهَ الْمَسائِلَ وعابَها " ، أرادَ الْمَسائِلَ الدَّقيقَةَ ، التي لا يُحْتاجُ إليها .
وفي حديثٍ آخَرَ : أَنَّهُ نَهَى عن كَثْرَةِ السُّؤالِ ، قيلَ : هو مِن هذا ، وقيلَ : هو سُؤَالُ النَّاسِ أَمْوالَهُم مِن غَيْرِ حاجَةٍ .
* وممّا يُسْتَدْرَكُ عَلَيْهِ :
رَجُلٌ سَئَّالٌ ، كشَدَّادٍ ، وسُؤُولٌ ، كصَبُورٍ : كثيرُ السُّؤَالِ .
وقَوْمٌ سَأَلَةٌ ، جمعُ سائِل ككَاتِبٍ ، وكَتَبَةٍ ، وسُؤَّالٌ ، كرُمَّانٍ . وساءَلْتُهُ مُسَاءَلَةً ، قالَ أبو ذُؤَيْبٍ :
أَسَاءَلْتَ رَسْمَ الدَّارِ أم لم تُسائِلِ * عن السَّكْنِ أَم عَن عَهْدِهِ بالأَوائِلِ ؟ ( 2 )
وجَمْعُ المَسْأَلَةِ مَسائِلُ بالهَمْزِ .
وتَعَلَّمْتُ مَسْأَلةً ومَسائِلَ : اسْتُعِيرَ المَصْدَرُ للمَفْعُولِ ، وهو مَجازٌ ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ .
وحَكى أبو عَلِيٍّ عن أبي زَيْدٍ قَوْلَهم : اللَهُمَّ أَعْطِنا سَأَلاَتِنَا ، وُضِعَ المَصْدَرُ مَوْضِعَ الاِسْمِ ، ولذلك جُمِعَ .
والْفَقِيرِ يُسَمَّى سَائِلاً ، إذا كانَ مُسْتَدْعِياً لِشَيْءٍ ، قالَهُ الرَّاغِبُ ، وبهِ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعالى : ( وأمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ) ( 3 ) ، وفَسَّرَهُ الحَسَنُ بِطَالِبِ العِلْمِ .
* فائدة مهمة .
في كتابِ الشُّذُوذِ لابنِ جِنِّيٍّ ، قِراءَةُ الحَسَنِ : " ثُمَّ سُولُوا الْفِتْنَةَ " ، مَرْفُوعَةَ السِّينِ ، قال ابنُ مُجَاهِدٍ : ولا يَجْعَلُ فيها يَاءً ، ولا يَمُدُّها . قال ابنُ جِنِّيٍّ : سَأَلَ يَسْألُ وسَالَ يَسَالُ : لُغَتَانِ ، وإِذا أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى المَفْعُولِ ، فالأَقْيَسُ فيهِ أنْ يُقالَ : سِيلُوا ، كعِيدُوا ، ولُغَةٌ ثانِيَةٌ هنا ، وهي إشْمامُ كَسْرَةِ الْفَاءِ ضَمَّةً ، فيُقالُ : سُولُوا ، كقُوْلِهِم : قُولَ ، وبُوعَ ، وقد سُورَ به ، وهو على إِخلاصِ ضَمَّةِ فُعْل ، إلاَّ أنَّهُ أَقَلُّ اللُّغاتِ ، فهذا أَحَدُ الوَجْهَيْنِ ، وهو كالسَّاذِجِ ، وفيهِ وَجْهٌ آخَرُ فيهِ الصَّنْعَةُ ، وهو أنْ يَكُونَ أرادَ سُئِلُوا ، فخَفَّفَ الهَمْزَةَ ، فجَعَلَها بَيْنَ بَيْنَ ، أي بينَ الهَمْزَةِ والْيَاءِ ، لأَنَّها مَكْسُورَةٌ ، فصَارَتْ : سُيْلُوا ، فلَمَّا قارَبَتِ الياءَ ، وضَعُفَتْ فيها الكَسْرَةُ شابَهَتِ الْياءَ السَّاكِنَةَ وقَبْلَها ضَمَّةٌ ، فانْتَحَى بها نَحْوَ قَوْلِهِ : بُوعَ ، فإِمَّا أَخْلَصَها في اللَّفْظِ واواً لاِنْضِمام ما قَبْلها ، على رَأْي أبي الحَسَنِ في تَخْفِيفِ الهَمْزَةِ المَكْسُورَةِ إذا انْضَمَّ ما قَبْلَها ، وإِمَّا بَقَّاها على رَوائِحِ الهَمْزِ الذي فيها ، فَجَعَلَها بَيْنَ بَيْنَ ، فخَفِيَتِ الكَسْرَةُ فيها ، فشَابَهَتْ لانْضِمَامِ ما قَبْلَها الوَاوَ . انْتَهَى .
[ سبل ] : السَّبِيلُ ، والسَّبِيلَةُ ، وهذه عن ابنِ عَبَّادٍ : الطَّرِيقُ ، وما وَضَحَ منه ، زادَ الرَّاغِبُ : الذي فيه سُهُولَةٌ ، يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ ، والتَّأْنِيثُ أَكْثَرُ ، قالَهُ تَعالى : ( وإنْ يَرَوْا سَبيلَ الرِّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبيلاً ) ( 4 ) ، وشَاهِدُ التَّأْنِيْثِ : ( قُلْ هذهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ ) ( 5 ) ، عَبَّرَ به عَنْ المَحَجَّةِ ، ج سُبُلٌ ، ككُتُبٍ ، قال الله تعالى : ( وأنهاراً وَسُبُلاً ) ( 6 ) .
وقولُه تعالى : ( وعلى اللهِ قَصْدُ السَّبِيْلِ ومِنْهَا جَائِرٌ ) ( 7 ) فَسَّرَهُ ثَعْلَب ، فقال : عَلى اللهِ أَنْ يَقْصِدَ السَّبِيلَ لِلْمُسْلِمِينَ ، " ومنها جائِرٌ " ، أي ومِنَ الطُّرُقِ جائِرٌ عَلى غَيْرِ السّبِيلِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ
هامش
( 1 ) الآية الأولى من النساء .
( 2 ) ديوان الهذليين 1 / 139 واللسان .
( 3 ) الضحى الآية 10 .
( 4 ) سورة الأعراف الآية 146 .
( 5 ) سورة يوسف الآية 108 .
( 6 ) سورة النحل الآية 15 .
( 7 ) النحل الآية 9 .