علىَ من سَبعِ قِرَبٍ لَم تُحْلَلْ أَوْ كيتُهُنّ . وقالَ سَلَمَةُ بنُ الخُرشُبِ الأَنمارِي :
هَرَقْنَ بساحُوقٍ جِفاناً كَثِيرةً * وأَدَيْنَ أُخْرَى من حَقِينٍ وحازِرِ
وأَنشَدَ ابنُ بَرِّيّ لأَوس بنِ حَجَر :
نُبِّئْتُ أَنَّ دَماً حَراماً نِلْتَه * فهُرِيقَ في ثَوْبٍ عليك مُحَبَّرِ ( 1 )
وأَنْشَدَ للنّابِغَة :
* وما هُرِيقَ على الأَنْصابِ مِنْ جَسَدِ ( 2 ) *
قال الفَيُّومِيُ في المصباحِ : وأَصلُ هَراقَهُ هَريَقَهُ وِزان دَحْرَجَهُ ، ولهذا تُفتَحُ الهاءُ من المُضارِعِ ، فيُقال : يُهَرِيقُه ، كما تفتح الدال من يدحْرِجُه .
وأَهْرَقَه يُهْرِيقُه كذا في النُّسخِ وهو غلطٌ ، صوابُه يُهْرِقُه إِهْراقاً على أَفْعَلَ يُفْعِلُ ، كما في سائر نُسَخ الصِّحاحِ والعُبابِ ، ووَقَع في نسخة اللِّسانِ نقْلاً عن الجَوْهَرِيِّ مثلُ ما في نُسَخِنا ، وهو خَطَأ ظاهرٌ ، وهذه هي اللُّغَةُ الثانيةُ من الثّلاثةِ ، وكأَنّ الهاءَ في هذه أَصْلِيَّة ، وقد ذَكَرَها الجوهريُّ والصاغاني بقولهم : وفيه لُغةٌ أُخرى : أَهْرَقَ يُهْرِقُ ، على أَفْعَلَ يُفْعِلُ ، وقالا : قال سِيبَوَيْهِ : قد أَبْدَلُوا من الهمزةِ الهاءَ ، ثم ألزِمت فصارَتْ كأنها من نَفْسِ الحَرفِ ، ثم أُدْخِلَت الأَلفُ بَعْدُ على الهاءِ ، وتُرِكت الهاءُ عِوَضاً من حَذْفِهِم حركةَ العَين ؛ لأَنَّ أَصلَ أَهْرَقَ أَرْيَقَ . قالَ ابنُ بَريّ : هذه اللُّغَةُ الثانيةُ التي حَكاها عن سِيبَوَيه هي الثّالِثَةُ التي يَحْكِيها فيما بعدُ ، إِلا أَنّه غَلِطَ في التَّمْثِيلِ فقالَ : أَهْرَقَ يُهْرِق ، وهي لُغة ثالِثَةٌ شاذّةٌ نادِرَةٌ ليسَتْ بواحدة من اللُّغَتَيْن المَشْهُورتين ، يقولونَ : هَرَقْتُ الماءَ هَرقاً ، وأَهْرَقْتُه إِهْراقاً ، فيَجْعَلُونَ الهاءَ فاءً والرّاءَ عَيناً ، ولا يَجْعَلُونَه معْتَلاً ، وأَما الثانِيَةُ التي حَكَاها سِيبَوَيْهِ فهي أَهْراقَ يُهْرِيقُ إِهْراقَةً ، فَغَيَّرَها الجَوهرِي ، وَجَعَلها ثالِثَةً ، وجَعَلَ مصدَرَها إِهْرياقاً ، أَلا تَرَى أَنَّهُ حَكَى عن سيبويهِ في اللُّغَة الثانية أَنَّ الهاءَ عِوضٌ من حَركةِ العَينِ ، لأَنَّ الأَصْلَ أَرْيَقَ ، فهذا يَدُلُّ أَنَّه من أَهْراقَ إِهْراقَةً بالأَلِفِ ، وكذَا حكاه سِيبَوَيْهِ في اللُّغَةِ الثانيةِ الصحيحةِ .
وأَهْراقَهُ يُهْرِيقُه اهْرِياقاً ، فهو مُهَرِيقٌ بفتحِ الهاءِ وذاكَ مُهَراقٌ ومُهْراقٌ بفتحها وسكونها ، أي صَبَّه وهذه هي اللّغَة الثّالِثةُ تَتمَّةَ اللغاتِ ، هكذا نقله الجَوهرِيُّ والصّاغاني ، قال : وهذا شاذٌّ ، ونظيرُه أَسْطاعَ يُسطِيعُ اسطِياعاً بفتح الهمزةِ في الماضِي ، وضَمِّ الياءِ في المستقبلِ ، لغة في أَطاعَ يُطِيع ، فجَعَلوا السينَ عِوَضاً من ذَهابِ حركةِ عَين الفعلِ ، على ما ذَكَرناه عن الأَخْفَش في بابِ العينِ ، وكذلك حُكْمُ الهاءِ عندي ، انتهى .
قال ابنُ بَريّ : وقد ذَكَرنا أَنَّ هذه اللَّغةَ هي الثانيةُ فيما تَقدَّمَ ، إِلا أَنه غَيَّر مَصدَرَها ، فقال : إِهْرِياقاً ، وصوابه إهْرَاقَةً ؛ لأَنَّ الأَصلَ أَراقَ يُرِيقُ إِراقَةً ، ثم زِيدَت فيه الهاءُ ، فصار إِهْراقَةً ، وتاءُ التأْنيثِ عِوَضٌ من العينِ المَحْذُوفةِ ، وكذلك قال ابنُ السَّرّاجِ ، أَهْراقَ يُهْرِيقُ إِهْراقَةً وأَسْطاعَ يُسطِيعُ إِسطاعَةً ، قال : وأمّا الذي ذَكَرَه الجوهريّ من أَنَّ مصدرَ أَهْرَاقَ وأَسطاعَ اهْرِياقاً واسْطِياعاً فغَلَطٌ منه ؛ لأَنَّه غيرُ مَعْرُوف ، والقِياسُ إِهْراقةً وِإسْطاعَةً على ما تقدم ، وِإنما غَلَّطَه في اسْطِياع أَنه أَتَى به على وزن الاسِطاع مصدر اسْتَطاعَ ، قال : وهذا سَهْوٌ منه ؛ لأَنَّ أَسْطاعَ همزَتُه قَطْع ، والاسْتِطاع والاسْطِياعُ هَمْزَتُهما وَصْلٌ ، وقولُه : والشيءُ مُهْراقٌ ومُهَراق ، أَيضاً . بالتَّحْريكِ . غيرُ صَحيحٍ ؛ لأَنَّ مَفْعُولَ أَهْراقَ مُهْراقٌ لا غيرُ ، قال : وأَمّا مُهَراقٌ بالفتحِ فمَفْعُولُ هَرَاقَ ، وقد تَقَدّم شاهِدُه ، أي من قولِ الشّاعر :
رُبَّ كَأْسٍ هَرَقْتَها ابنَ لُؤَي * حَذَرَ المَوْتِ لم تَكُنْ مُهَراقهْ ( 3 )
قلتُ : وكذا قَوْلُ امْرِئِ القيسِ :
* وإنَّ شِفائي عَبرَةٌ مُهَراقةٌ ( 4 ) *
وشاهِدُ المُهْراقِ ما أُنْشِد في بابِ الهِجاءِ من الحَماسَةِ لعُمارَةَ بنِ عَقِيلٍ :
دَعَتْهُ وفي أَثْوابِه من دِمائِها * خَلِيطَا دَم مُهْراقُهُ غيرُ ذاهِبِ ( 5 )
هامش
( 1 ) ديوانه ط بيروت ص 47 واللسان .
( 2 ) ديوانه ط بيروت وصدره فيه :
فلا لعمر الذي مسحت كعبته
وعجزه في اللسان .
( 3 ) اللسان .
( 4 ) ديوانه ط بيروت ص 31 وعجزه فيه :
فهل عند رسم دارس من مغول
( 5 ) شرح ديوان الحماسة للتبريزي 4 / 8 برواية : " خليطا دم من ثوبه " قال : ويروى : مهراقة غير ذاهب . والمثبت كرواية اللسان .