قلت : وأوّله :
ودَعَوْا بالصّبوحِ يوماً فجاءَت * قَيْنةٌ في يَمينِها إبريقُ
قدّمَتْهُ على عُقارٍ كعَيْنِ ال * دّيكِ صَفَّى سُلافَها الرّاوُوقُ
مُزَّة قبْلَ مزْجِها فإذا ما * مُزِجَتْ لَذّ طعْمُها مَنْ يَذوقُ
وطَفا فوقَها فَقاقيعُ كالْيا * قوتِ حُمْرٌ يَزينُها التّصْفيقُ
ثم كان المِزاج . . . إلخ .
قال الجَوهريّ : ومنه قوْلُ إبراهيمَ النّخَعِيّ : " الوُضوءُ بالطّرْقِ ( 1 ) أحَبُّ إليَّ من التّيمّم " .
وأنشدَ الصّاغانيّ لزُهير بنِ أبي سُلْمى :
شَجَّ السُّقاةُ على ناجودِها شَبِماً * من ماءِ لينَةَ لا طَرْقاً ولا رَنِقا
وقد طرَقَت الإبِلُ الماءَ : إذا بالَتْ فيه وبعَرَت ، وهو مَجازٌ ، كذا في الصِّحاح والأساسِ .
وفي المُفْرَدات : طرْق الدّوابِّ الماءَ بالرِّجْلِ حتى تكدِّرَه ، حتى سُمِّيَ الماءُ الرّنِقُ طَرْقاً .
وقالَ الراغبُ : الطّرْقُ في الأصْلِ كالضّرْبِ ، إلا أنّه أخصُّ ؛ لأنه وقْع ( 2 ) بضَرْب كطَرْق الحَديد
بالمِطْرقة ، ومنه استُعِير ضرْبُ الكاهِن بالحَصَى .
وقال أبو زَيْد : الطّرْق : أن يَخُطَّ الرّجُل في الأرضِ بإصْبَعَيْن ، ثم بإصْبَع ويَقول : ابْنَيْ عِيانْ ، أسْرِعا البَيانْ . وفي الحَديث : الطِّيَرةُ والعِيافَةُ والطّرْقُ من الجِبْتِ ، قال ابنُ الأثير : الطّرْق : الضّرْب بالحَصَى الذي تفعَلُه النِّساءُ ، وقيلَ : هو الخَطُّ بالرّمْل .
وقد استَطْرقتُه أنا : طَلَبْتُ منه الطّرْقَ بالحَصَى ، وأنْ ينْظُر لكَ فيه ، وأنشدَ ابنُ الأعرابيّ :
* خَطَّ يَدِ المُستَطرَقِ المَسْؤولِ *
والطَرْقُ : نتْفُ الصّوف أو الشَّعرِ أو ضرْبُه بالقَضيبِ لينْتَفِشَ ، قال رؤبة :
* عاذِلَ قد أولِعْتِ بالتّرْقِيشِ *
* إليَّ سِرّاً فاطْرُقِي ومِيشي *
قال الأزهريُّ : ومن أمثال العَرَب للّذي يخلِطُ في كَلامِه ، ويتفنّنُ فيه قولُهم : " اطرُقي ومِيشي " ( 3 ) . فالطّرْقُ : ضرْبُ الصّوفِ بالعَصا . والمَيْشُ : خلْطُ الشّعَرِ بالصّوف ، وقد تقدّم في محَلِّه . وفي حَديثِ عُمَر رضيَ الله عنه أنه خرَج ذاتَ ليلةٍ يحْرُس ، فرأى مِصْباحاً في بيتٍ ، فدَنا منه ، فإذا عَجوز تطْرُق شَعْراً لتَغْزِلَه " .
واسْمُه أي : القَضيبُ الذي يُنفَشُ بهِ الصّوف المِطْرَقُ ، والمِطْرَقَة بكسرهما . وإنّما أطلَقَه اعتِماداً على الشّهْرةِ ، أو لكوْنه سَبَقَ له ضبْطُه في أوّل التّركيب . وفي الحَديث : أُنزِلَ مع آدمَ عليه السّلام المِطرَقَةُ ، والمِيقَعَةُ والكَلْبَتان وفي المثَل : " ضرْبُك بالمِغْنَطيسِ خيْرٌ من المِطْرَقَةِ " .
ومن المَجاز : الطّرْقُ : الفَحْلُ الضّارب جمعه : طُرُوق ، وطُرّاقْ سُمِّيَ بالمَصْدَر . وأصلُ الطّرْقِ : الضِّرابُ ، ثم يُقالُ للضّارِب : طرْقٌ بالمَصْدَر . والمَعْنى : " أنّه ذو طَرْق " . ومنه قولُ عُمر رضِي الله عنه : " إنّ الدّجاجَةَ لتَفْحَصُ في الرّمادِ فتضَعُ لغَيْر الفَحْلِ ، والبَيْضَة منسوبةٌ إلى طرْقِها " أي إلى فحْلِها . قال الرّاعي يصِف إبِلاً :
كانتْ هَجائِنُ مُنذِرٍ ومُحرِّقٍ * أُمّاتِهِنّ وطَرْقُهُنّ فَحيلا ( 4 )
أي : كان ذُو طرْقها فَحْلاً فَحيلاً ، أي : مُنْجِباً .
والطّرْقُ : الإتْيان باللّيْل ، كالطّروقِ فِيهِما أي : في الضِّراب والإتْيان باللّيْل .
يقال : طرَقَ الفحْلُ الناقةَ يطرقُها طرْقاً وطُروقاً ، أي : قَعا ( 5 ) علَيْها وضرَبَها . وفي الحَديث : " نَهَى المُسافِرَ أن يأتيَ أهْلَه طُروقاً " أي : لَيلاً . وكُلُّ آتٍ باللّيلِ : طارِق ،
هامش
( 1 ) في التهذيب واللسان " بالماء الطرق " ضبطت في اللسان بالرفع ، وفي التهذيب بالجر ، جعلها صفة للماء .
( 2 ) في المفردات : لأنه ضرب توقع كطرق الحديد . . .
( 3 ) انظر مجمع الأمثال 1 / 391 .
( 4 ) ديوانه ط بيروت ص 217 وانظر تخريجه فيه . وفيه : كانت نجائب بدل كانت هجائن .
( 5 ) عن اللسان وبالأصل " قفا " .