هامش
والواقع أنّه لا يردّ أوهام المستشرقين ولا يصدّ مفتريات المبشرين إلّافكر على هذا الغرار ، فهل ذلك عيبه ؟ !
صحيح أنّ الجانب السياسي في حياة الرجل موضع أخذ وردّ ، وأعرف أنّه كان في وضع لا يحسد عليه بين محتلّ غاشم وقصر خائن . وليست لي دراسة مفصّلة لهذا الجانب ، وإنّما أعلم أنّ دواعي التزكية والترجيح والإهانة والتجريح طيّعة لمن أراد المدح والقدح ، والمصير إلى اللَّه الخبير بالنيّات ، وإنّما عناني فقط الجانب العلمي الذي يعني المسلمين كلّهم ، وله بحاضر المسلمين ومستقبلهم علاقة وثيقة .
مع جمال الدين الأفغاني :
وأذكر في سطور قلائل رأيي في جمال الدين الأفغاني ، لوددت أن يكون علماء الدين على صفته في عزّة النفس وشموخ الأنف والتوكّل على اللَّه .
عندما ذهب إلى الآستانة طلب منه السلطان عبد الحميد أن يدع مهاجمة شاه إيران ، وأنصت جمال الدين دون أن يردّ ، فلمّا طال إلحاح السلطان عليه قال منهياً الحديث : قد عفوت عنه ! وشده السلطان ، وذعرت الحاشية ! قد عفوت عنه ؟ العهد بعلماء الدين أن يكونوا مدفوعين بالباب ينتظرون الجدا ، ويشكرون الندى . فما بال هذا الرجل يناصي الملوك ويحاكم أخطاءهم ؟ !
قال المؤرخّون : ما كان جمال الدين يرى نفسه دون الخليفة .
هل هذا السمو خلق عميل للماسونية كما يقال ؟ ! إنّه خلق متوكّل وثيق الصلة بربّه ، راسخ القدم في دينه ، وما سمعت قبله ولا في عصره من كشف أحقاد الصليبية العالمية ، وألّب الجماهير ضدّها ، وشنّ الغارات شعواء على المستبدين والظلمة ، ونفخ من أنفته في الشعوب الراكدة المستعبدة يحضّها على العمل لدينها ودنياها . . إنّ الرجل وحده كان صاحب هذا الصوت ، ويظهر أنّ تلك كانت جريمته !
قالوا : كان منتسباً لأحد المحافل الماسونية ، ولا أنفي هذا ، وإنّما أسأل : في أيّ كتاب إسلامي شرحت آثام الماسونية وحذّر المسلمون منها قبل عصر الأفغاني ؟
إنّه خدع بكلمات الإخاء والحرّية والمساواة ، كما خدعت أُمّتنا اليوم في المؤسّسات العالمية -