هامش
لقد اتّفقت أحزاب أهل الكتاب وأحزاب الوثنية وأحزاب المادّيين جميعاً على استئصال شأفتنا ، فإلى متى نتفرّق ؟ !
لماذا يتباعد أتباع المذاهب الفرعية ؟
لماذا تُجترُّ خلافات بين السلف ، وتُمنح القدرة على الحياة والأذى ؟ ! » .
الدعوة إلى التقدّم والخروج من التخلّف
وممّا أخذ من جهد وعناية الشيخ الغزالي جانباً غير قليل : دعوته الدائبة إلى استخراج الأُمّة من دائرة التخلّف ، والعمل على إلحاقها بركب التقدّم البشري الصاعد أبداً إلى الأمام .
إنّ التخلف ليس من طبيعة هذه الأُمّة ولامن لوازم تديّنها ، فقد كانت هذه الأُمّة هي الأُمّة الوسط في العالم كلّه قرابة ألف عام ، وكانت حضارتها هي الحضارة الغالبة والسائدة ، وكان علماؤها في كلّ فرع من العلوم هم قادة العلم والفكر في الدنيا القديمة .
ومن ذا الذي يجحد ما قدّمه أمثال : ابن حيّان في الكيمياء ، وابن الهيثم في الفيزياء ، والخوارزمي في الجبر ، والبيروني في الرياضيات ، والرازي وابن سينا والزهراوي وابن النفيس في الطبّ ، وابن رشد في الطبّ والفلسفة ؟
ومن ينكر ما قدّمه المسلمون للعالم بإقرار المنهج الاستقرائي التجريبي ، إقراره عملياً في شتّى العلوم الطبيعية والكونية ، والدفاع عنه نظرياً بنقد المنهج الصوري القياسي الذي قام على أساس المنطق الأرسطي ؟
ومن هنا اقتبست أُوربا من الحضارة الإسلامية المنهج التجريبي ؛ وأسّست عليها نهضتها ، كما شهد بذلك شهود منصفون من أهلها ، أمثال : بريفولت ، وغوستاف لوبون ، وجورج سارطون .
فالتخلّف إذاً طارئ على الأُمّة ، وعلّة لها ، وليست من طبيعتها ولا طبيعة دينها الذي جعل منها من قبل خير أُمّة أُخرجت للناس ، وبوّأها مكان الأُستاذية للبشرية كلّها .
وحرام على الأُمّة المسلمة أن تظلّ في مؤخّرة الأُمم في مجال العلم والعمران والتكنولوجيا ، ومكانها الطبيعي أن تقود هي الركب !
وهذا ما شغل فكر الشيخ الغزالي ، وكوى قلبه بنار الأسى على مصير الأُمّة القائدة أن تنتهي إلى هذا الوضع الذي صارت إليه اليوم تستورد ولا تصنع ، تستهلك ولا تكاد تنتج إلّاالتوافه ، -