مواجَهَةً ، كأَنَّ كُلَّ واحدٍ منهما قَدْ كَفَّ كَفَّ صاحِبَه عن مُجاوَزَتهِ إلى غيره ، أَي : مَنَعَه ، قال ابنُ الأَثيرِ ، وفي المُحْكَم : لَقِيتُه كَفَّةَ كَفَّةَ ، وكَفَّةَ كَفَّةٍ على الإضافة : أَي فَجْأَةً مُواجَهَةً ، قال سيبويه : والدَّلِيلُ على أنَّ الآخرَ مَجْرورٌ أن يُونُسَ زَعَم أَنّ رُؤبَةَ كانَ يَقولُ : لَقِيتُه كَفَّةً لِكَفَّةٍ ، أو كَفَّةً عن كَفَّةٍ ، إِنَّما جُعِلَ هذا هكذا في الظَّرْفِ والحالِ ؛ لأنًّ أَصلَ هذا الكَلام أَنْ يَكُونَ ظَرْفاً أو حالاً .
وجاء الناسُ كافَّةً : أَي جاءُوا كُلُّهُم ، ولا يُقال : جاءَت الكَافَّةُ ، لأَنَّه لا يَدْخُلُها أَلْ ، ووَهِمَ الجَوْهَرِيُّ ، ولا تُضافُ ونصُّ الجوْهَرِيِّ : الكافَّةُ : الجَمِيعُ من النّاسِ ، يُقال : لَقِيتُهم كافَّةً : أَي كُلَّهُم ، وأما قَوْلُ ابنِ رَواحَةَ :
فِسرْنا إِلَيْهمْ كافَةً في رحالِهم * جَمِيعاً عَلَيْنا البِيضُ لا نَتَخَشَّعُ
فإِنَّما خفَّفَه ضَرُورةً ؛ لأَنَّه لا يَصْحُّ الجمعُ بين السّاكِنَيْنِ في حَشْو البَيْت ، وهذا كما تَرىَ لا وَهَمَ فيه ، لأَنَّ النَّكِرَةَ إِذا أُريدَ لَفْظُها جازَ تَعريفُها ، كما هو مَنْصُوصٌ عليه .
وأَما قولُه : ولا يُقالً : جاءَت الكَافَّةُ ، فهو الذي أَطْبَقَ عليه جَماهِيرُ أَئِمَّةِ العربيَّةِ ، وأَوْرَدَ بَحْثَه النَّوَوِيُّ في التَّهْذِيب ، وعابَ على الفُقَهاءِ وغيرهُم اسْتِعْمالَه مُعَرَّفاً بأَلْ أَو الإِضافَةِ ، وأَشارَ إليه الهَرَويُّ في الغَرِيبَيْن ، وبسَطَ القولَ في ذلك الحَرِيريُّ في دُرَّةِ الغَوّاصِ ، وبالغَ في النَّكِيرِ على من أَخْرَجَه عن الحالِيَّةِ ، وقالَ أَبو إِسحاقَ الزَّجاجُ في تَفْسِير قوله تَعالى : ( يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً ) ( 1 ) قالَ : كافَّةً بمعنَى الجَمِيعِ والإِحاطَةِ ، فيجوزُ أَن يَكُونَ مَعنْاه ادْخُلُوا في السِّلْمِ كُلِّه ، أَي في جَمِيعِ شَرائِعِه ، ومعنى كافَّةً في اِشْتِقاقِ اللُّغَةِ : ما يَكُفُّ الشَّيْءَ في آخِرِه ، فمَعْنَى الآية : أبْلُغُوا في الإِسلامِ إلى حَيْثُ تَنْتَهِي شَرائِعُه ، فتُكَفُّوا من أَنْ تَعُدُوا شَرائِعَه ، وادْخُلُوا كُلُّكُم حتى يُكَفَّ عن عَدَدٍ واحدٍ لم يَدْخُلْ فيه ، وقالَ : وفي قَولِه تَعالَى : ( وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كَافَّةً ) ( 2 ) منصوبٌ على الحالِ ، وهو مَصْدَرٌ على فاعِلَةٍ ، كالعافِيَةِ والعاقِبَةِ ، وهو في مَوْضِع قاتِلُوا المُشْرِكِين مُحِيطِينَ ، قالَ : فلا يَجُوزُ أَن يُثَنَّى ولا أَنْ يُجْمَعَ ، ولا يُقال : قاتِلُوهُم كافّاتٍ ولا كافِّينَ ، كما أَنَّك إِذا قُلْتَ : قاتِلْهُم عامَّةً لم تُثَنِّ ولم تَجْمَعْ ، وكذلك خاصَّةً ، وهذه مَذْهَبُ النَّحْويين ، قال شيخنا : ويَدُلُّ على أَنَّ الجَوْهَريَّ لم يُرِدْ ما قَصَدَه المُصَنِّفُ أَنَّه لمّا أَرادَ بيانَ حُكْمِها مثَّلَ بما هُوَ موافِقٌ لكلامِ الجُمْهُورِ . علَى أَنَّ قولَ الجُمْهُورِ كالمُصَنّفِ : لا يُقالً : جاءَت الكافَّةُ ردَّه الشِّهابُ في شَرْح الدُّرَّةِ ، وصحَّحَ أَنَّه يُقال ، وأَطالَ البحثَ فيهِ في شرح الشِّفاءِ ، ونقَله عن عُمَرَ وعَلِيٍّ رضي الله عنهُما ، وأَقَرَّهُما الصّحابَةُ ، وناهِيكَ بهم فَصاحَةً ، وهو مَسْبُوقٌ بذلكَ ، فقد قالَ شارِحُ اللُّبابِ : إِنَّه اسْتُعْمِلَ مَجروراً واستَدَلَّ له بقولِ عُمَرَ بنِ الخَطّابِ رضي الله عنه : " على كافَّةِ بَيْتِ مالِ المُسْلِمِينَ " وهو من البُلَغاءِ ، ونَقَله الشُّمُنِّيُّ في حواشِي المُغْنِي ، وقل الشيخُ إِبراهيمُ الكُورانِيُّ في شرحِ عَقِيدَةِ أُستاذِه : من قالَ من النُّحاةِ إِنَّ كافَّةً لا تَخْرُجُ عن النّصْبِ فحُكْمُه ناشئٌ عن اسْتِقْراءِ ناقِصٍ ، قالَ شَيْخُنا : وأَقُولُ : إِنْ ثَبَتَ شيءٌ مما ذَكَرُوه ثُبُوتاً لا مَطْعَنَ فيه فالظّاهِرُ أَنَّه قَلِيلٌ جِداً ، والأَكثَرُ استعمالُه على ما قالَه ابنُ هشامٍ والحَرِيرِيُّ والمُصنَّفُ .
وكَفَّت النّاقَةُ كُفُوفاً : كَبِرَتْ فقَصُرتْ أَسْنانُها حتى تَكادَ تَذْهَبُ فَهِي كافٌّ وكذلك البَعِيرُ ، نقله الجوهرِيُّ ، وفي اللِّسانِ : فإذا ارْتَفعَ عن ذلكَ فالبَعِيرُ ماجُّ ، قال الصَّاغانِيُّ : وناقَةٌ كَفُوفٌ مثلُه .
وكَفَّ الثَّوْبَ كَفّاً : خاطَ حاشِيَتَه قالَ الجَوْهَرِيُّ : وهو الخِياطَةُ الثانِيَةُ بعد الشَّلِّ كذا في النُّسَخ ، وفي الصِّحاحِ والعُبابِ : بعدَ المَلِّ ( 3 ) ، وهي الكِفافَةُ ، وهو مجازٌ .
وكَفَّ الإِناءَ كَفّاً : مَلأَهُ مَلأً مُفْرِطاً فهو ثَوْبٌ مَكْفُوفٌ وإِناءٌ مَكْفُوفٌ .
وكَفَّ رِجْلَه كَفّاً : عَصَبَها بِخِرْقَةٍ ومنه حَدِيثُ الحَسَنِ : قالَ له رجُلٌ : إِنَّ بِرِجْلِي شُقَاقاً ، قالَ : اكْفُفْه بخِرْقة . أي : اعْصِبْه بها ، واجْعَلْها حَوْلَه .
ومن المجازِ : عَيْبَةٌ مَكْفُوفَةٌ : أَي مُشَرَّجَةٌ ( 4 ) مَشْدُودَةٌ كما في الصِّحاح وفي الحديثِ في كِتابِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلم في صُلحِ الحُدَيْببَةِ حينَ صالَحَ أَهَل مَكَّةَ ،
هامش
( 1 ) سورة البقرة الآية 208 .
( 2 ) التوبة الآية 36 .
( 3 ) في الصحاح المطبوع : " بعد الشل " .
( 4 ) ضبطت بالقلم في الصحاح بتخفيف الراء .