* تكميل :
قال الحارِثُ بنُ حِلِّزَةَ اليَشْكُرِيُّ :
زَعَمُوا أَنَّ كُلَّ مَن ضَرَبَ العَيْ * رَ مَوَالٍ لَها وأَنَّى الوَلاءُ ( 1 )
هكذا أَنْشَدَه الصاغانيّ . وفي اللّسَان : " مَوَال لنا " . ويُرْوَى : " الوِلاءُ " ، بالكسْر . وقد اخْتُلِفَ في مَعْنَى العَيْرِ في هذا البَيْتِ اختلافاً كثيراً ، حتى حَكَى الأَزهريّ عن أَبي عَمْرِو بن العَلاءِ أنه قالَ : ماتَ مَنْ كانَ يُحْسِنُ تَفْسِيرَ بَيْتِ الحارِثِ بنِ حِلِّزَةَ :
* زَعَمُوا أَنّ كُلَّ من ضَرَبَ العَيْر *
إِلى آخِرِه .
وها أَنا أَجْمَعُ لك ما تَشَتَّتَ من أَقْوَالهِم في الكُتُب ، لئلاّ يَخْلُو هَذا الكِتَابُ عن هذه الفائِدَة ،
فقِيلَ : العَيْرُ هُنا : كُلَيْبٌ ، أَي أَنّهم قَتَلوهُ ، فجَعَلَ كُلَيْباً عَيْراً . قال ابنُ دُرَيْد : وأَنشدَ ابنُ الكَلْبِيّ لِرَجُلٍ من كضلْبٍ قَديمٍ فيما ذكره ، وجَعَلَ كُلَيْباً عَيْراً كما جَعَلَه الحارِثُ . أَيضاً عَيْراً في شِعْره :
كُلَيْبُ العَيْرُ أَيْسَرُ مِنْك ذَنْباً * غَدَاةَ يَسُومُنَا بالفْتِكَرِينِ
فمَا يُنْجِيكُمُ مِنّا شِبَامٌ * ولا قَطَنٌ ولا أَهْلُ الحَجُونِ
كذا نقلَهُ الصاغانيّ .
وقيل : العَيْر : هنا سَيّدُ القَوْم ورَئِيسُهم مُطْلَقاً .
وقِيل : بل المُرَادُ به هو المُنْذِرُ بن ماءِ السَّمَاءِ ، لِسِيادَتِه . وقال الصاغانيّ : لأَنَّ شَمِراً قَتَلَهُ يومَ عَيْنِ أُباغَ ، وشَمِرٌ حَنَفِيٌّ ، فهو مِنْهُم .
وقيل : المُرَاد بالعَيْرِ هنا الطَّبْلُ .
وقيل : المراد مَعْنَاه : كُلّ من ضَرَبَ بجَفْنٍ على عَيْر ، أَي على مُقْلَة .
وقيل : المُرادُ بالعَيْر الوَتِدُ ، أَي مَن ضَرَبَ وَتِداً من أَهْلِ العَمَدِ مُطْلَقاً .
وقيل : يَعْنِي إِياداً ، لأَنّهُم أَصْحابُ حَمِيرٍ .
وقيل : يَعْنِي بالعَيْرِ جَبَلاً .
ومنهم مَنْ خَصَّ فقال : جَبَلاً بالحِجَازِ ، وأَدْخَلَ علَيْه الَّلامَ كأَنَّهُ جَعَلَهُ من أَجْبُلٍ ، كُلُّ واحِدٍ منها عَيْرٌ ، أَو جَعَلَ اللام زائدَةً على قوله :
* ولَقَدْ نَهَيْتُكَ عن بَنَاتِ الأَوْبَرِ *
إِنما أَراد : بَناتِ أَوْبَرَ ، فقال : كلُّ من ضَرَبَهُ أَي ضَرَبَ فيه وَتِداً أَو نَزَلَهُ .
وقال أَبو عَمْروٍ : العَيْر : هو النّاتِئُ في بُؤْبُؤِ العَيْن ، ومعناه أَنّ كُلّ من انْتَبَهَ من نَوْمِه حَتَّى يَدُورَ عَيْرُه [ جَنَى ] ( 3 ) جِنَايَة فهو مَوْلىً لَنَا ، يقولُونه ظُلْماً وتَجَنِّياً . قال : ومِنْهُ قولُهم : " أَتَيْتُكَ قَبْلَ عَيْرٍ وما جَرَى " ، أَي قَبْلَ أَن يَنْتَبِهَ نائمٌ ( 4 ) .
وَرَوَى سَلَمَةُ عَن الفَرّاءِ أَنّه أَنْشَدَهُ " كلَّ مَنْ ضَرَبَ العِيرَ " ، بكسر العين . والعِيُر : الإِبِلُ ، أَي كُلّ مَنْ رَكِبَ الإِبِلَ مَوَالٍ لَنا ، أَي العَرَب كُلّهم مَوالٍ لَنَا من أَسْفَل ، لأَنَّا أَسَرْنَا فِيهِم فلَنَا نِعَمٌ عليهم .
فهذه عَشَرَةُ أَقْوَالٍ ، قَلَّمَا تُوجَدُ في مَجْمُوعٍ واحِدٍ ، فاظْفَرْ بها ، والله أَعْلَم .
هامش
( 1 ) في معلقته : " موال لنا " وأنا بدل وأنى .
( 2 ) في اللسان : أو جعل .
( 3 ) زيادة عن التهذيب .
( 4 ) قال ثعلب في قوله : وما جرى : أرادوا جريه ، أرادوا المصدر ، نقل قوله الأزهري في التهذيب .