تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاج العروس — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
واعْتَبَرَ فلانٌ كذَا . وقيل : أُخِذَ هذا كلُّه من العِبْرِ ، وهو جانِبُ النَّهْرِ ، وهما عِبْرَانِ ( 1 ) ، لأَنّ عابِرَ الرُّؤْيَا يَتَأَمّلُ ناحِيَتَيِ الرُّؤْيَا ، فيَتَفَكَّرُ في أَطرافِها ، ويَتَدَبَّرُ كلّ شَيْءٍ منها ، ويَمْضِي بفِكْره فيها مِن أَولِ ما رَأى النائِمُ إِلى آخرِ ما رَأَى . ورُوِى عن أَبي رَزِينٍ العُقَيْلِيّ أَنّه سمعَ النَّبِيّ صلى اللهُ عليه وسَلم يقول " الرُّؤْيَا على رِجْلِ طائرِ ، فإِذا عُبِّرَتْ وَقَعَتْ ، فلا تَقُصَّها إِلا على وَادٍّ ، أَو ذِي رَأْي " ، لأَنّ الوادَّ لا يُحِبُّ أَن يَسْتَقْبِلَك في تَفْسِيرَها إِلا بما تُحِبّ ، وإِن لم يكن عالِماً بالعِبَارِةِ لم يَعْجَلْ لكَ بما يَغُمُّكَ ، لأَنّ تعْبِيرَه يُزِيلُهَا عمّا جَعَلها اللهُ عليه ، وأَمّا ذُو الرّأْيِ فمعناه ذُو العِلْمِ بعِبارَتِهَا ، فهو يُخْبِرُك بحقيقةِ تَفْسِيرِهَا ، أَو بأَقْرَبِ ما يَعْلَمُه منها ، ولعله أَن يكونَ في تَفْسِيرِهاَ مَوعِظَةٌ تَرْدَعُكَ عن قَبِيح أَنتَ عليه ، أَو يكون فيها بُشْرَى فتَحْمَد الله تعالى على النِّعْمَةِ فيها . وفي حديثِ " الرُّؤْيَا لأَوَّلِ عابِر " وفي الحديث " للرُّؤْيا كُنًى وأَسْمَاءٌ ، فكَنُّوهَا بكُناهَا واعتَبِرُوهَا بأَسْمَائِهَا " . وفي حديثِ ابنِ سِيرِينَ كان يقُولُ : " إِني أَعْتَبِرُ الحَديثَ " أَي ( 2 ) أَعَبِّر الرُّؤْيَا بالحَدِيثِ وأَعْتَبِرُ به ، كما أَعْتَبِرُها بالقُرآنِ في تلأْوِيليِها ، مثل أن يُعَبِّرَ الغُرَابَ بالرَّجلِ الفاسِقِ ، والضِّلَع بالمرأَةِ ، لأَنّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلم سَمَّي الغُرابَ فاسِقاً ، وجعلَ المرأَةَ كالضِّلَعِ ، ونحو ذلك من الكُنَى والأَسماءِ . واسْتَعْبَرَه إِياها : سَأَله عَبْرَها وتَفْسيرَها . وعَبَّرَ عمّا في نَفْسِه تَعْبيراً : أَعْرَبَ بَيَّنَ . وعَبَّرَ عنه غَيرُه : عَيِىَ فأَعْرَبَ عَنْه وتكلم ، واللَّسَانُ يُعَبِّرُ عما في الضميرِ . والاسْمُ منه العَبْرَةُ ، بالفَتْح ، كذا هو مضبوطٌ في بعضِ النُّسخِ ، وفي بعضِها بالكسر ، والعِبَاَرَةُ بكسرِ العينِ وفتحِهَا . وعِبْرُ الوَادي ، بالكسر ويُفْتَحُ عن كُراع : شاطِئُه وناحِيَتُه ، وهما عِبْرَانِ ، قال النابِغَةُ الذُّبْيَانِيُّ يمدح النُّعْمَانَ : ومَا الفُراتُ إِذَا جَاشَتْ غَوَارِبُه * تَرْمِي أَوَ اذِيُّه العِبْرَيْنش بالزَّبَدِ يَوماً بأَطْيَبَ منه سَيْبَ نافِلَةٍ * ولا يَحُولُ عَطَاءُ اليَوْمِ دُونَ غَدِ وعَبَرَهُ ، أَي النّهرَ والوَادِيَ ، وكذلك الطَّرِيقَ ، عَبْراً ، بالفَتْح ، وعُبُوراً ، بالضَّمّ : قَطَعَهُ من عِبْرِهِ إِلى عِبْرِهِ ، ويُقَالُ : فُلانٌ في ذلك العِبْرِ ، أَي في ذلك الجانبِ . ومن المَجَاز عَبَرَ القَوْمُ : ماتُوا ، وهو عابِرٌ ، كأَنَّه عَبَرَ سَبِيلَ الحياةِ ، وفي البصائِرِ للمصنف : كأَنَّه عَبَرَ قَنْطَرَةَ الدُّنْيَا ، قال الشاعِر : فإِنْ تَعْبُرْ فإِنّ لنَا لُمَاتٍ * وإِن نَغْبُرْ فَنَحْنُ على نُذورِ يقول : إِنْ مِتْنَا فَلَنا أَقْرَانٌ ، وإِنْ بَقِينَا فنَحْنُ ننتَظِرُ ما لابُدَّ منه ، كأَنَّ لنا في إِتْيَانِه نَذْراً . وعَبَرَ السَّبِيل يَعْبُرُهَا عُبُوراً : شقَّها ، ورَجُلٌ عَابِرُ سَبِيلٍ ، أَي مارُّ الطّرِيقِ ، وهم عابِرُو سَبِيل ، وعُبَّارُ سَبِيلٍ . وقَوْلُه تَعَالى : ( ولا جُنُباً إِلا عابِرِي سَبِيلٍ ) ( 4 ) قيل : معناه أَن تكونَ له حاجَةٌ في المسجِدِ وبَيْتُه بالبُعْدِ ، فيدخل المسجِدَ ، ويَخْرُج مُسْرِعاً ، وقال الأَزْهَرِيّ : إِلا مُسَافِرِينَ ، لأَن المُسَافِرَ [ قد ] ( 5 ) يُعْوِزُه الماءُ ، وقيل : إِلا مارِّينَ في المَسْجِدِ غيرَ مُرِيديِنَ للصلاةِ . وعَبَرَ بهِ الماءَ عَبْراً وعَبَّرَهُ به تعْبِيراً : جَازَ ، عن اللِّحْيَانِيّ . وعَبَرَ الكِتَابَ يَعْبُرُه عَبْراً بالفَتْح : تَدَبَّرَه في نَفْسهِ ولم يَرْفَعْ صَوتَه بقرَاءَتِه . وعَبَرَ المَتَاعَ والدَّرَاهِمَ يَعْبُرُها عَبْراً : نَظَر : كمْ وَزْنُهَا ؟ وما هيَ ؟ . وقال اللّحْيَانِيّ : عَبَرَ الكَبْشَ يَعْبُرُه عَبْراً : تَرَكَ صُوفَه عليهِ سَنَةً وأَكْبُشٌ عُبْرٌ ، بضمّ فسكون ، إِذا تُركَ صُوفُها عليها ، قال الأَزهريّ : ولا أَدْرِي كيف هذا الجَمْعُ ؟
هامش
( 1 ) يريد شاطئه وناحيته . ( 2 ) في النهاية : المعنى فيه أنه يعبر الرؤيا على الحديث ، ويعتبر به كما يعتبرها بالقرآن . . . ( 3 ) قوله : السيب : العطاء ، والناقلة : الزيادة . ( 4 ) سورة النساء الآية 43 . ( 5 ) زيادة عن التهذيب .