معاوية وإن كانت هي الباغية لكنه بغي لا فسق به لأنه إنما صدر عن تأويل يعذر به أصحابه
وتأمل أنه أخبر معاوية بأنه يملك وأمره بالإحسان تجد في الحديث إشارة إلى صحة خلافته وأنها حق بعد تمامها له بنزول الحسن له عنها فإن أمره بالإحسان المترتب على الملك يدل على حقية ملكه وخلافته وصحة تصرفه ونفوذ أفعاله من حيث صحة الخلافة له من حيث التغلب لأن المتغلب فاسق معاقب لا يستحق أن يبشر ولا يؤمر بالإحسان فيما تغلب عليه بل إنما يستحق الزجر والمقت والإعلام بقبيح أفعاله وفساد أحواله
فلو كان معاوية متغلبا لأشار له النبي إلى ذلك أو صرح له به فلما لم يشر له فضلا عن أن يصرح إلا بما يدل على حقية ما هو عليه علمنا أنه بعد نزول الحسن له خليفة حق وإمام صدق
ويشير إلى ذلك كلام الإمام أحمد فقد أخرج البيهقي وابن عساكر عن إبراهيم بن سويد الأرمني قال قلت لأحمد ابن حنبل من الخلفاء قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي
قلت فمعاوية قال لم يكن أحد أحق بالخلافة في زمان علي من علي
فأفهم كلامه أن معاوية بعد زمان علي أي وبعد نزول الحسن له أحق الناس بالخلافة
وأما ما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف عن سعيد بن جمهان قال قلت لسفينة إن بني أمية يزعمون أن الخلافة فيهم
فقال كذب بنو الزرقاء بل هم ملوك من أشر الملوك وأول الملوك معاوية
فلا يتوهم منه أن لا خلافة لمعاوية لأن معناه أن خلافته وإن كانت صحيحة إلا أنه غلب عليها مشابهة الملك لأنها خرجت عن سنن خلافة الخلفاء الراشدين في كثير من الأمور فهي حقة وصحيحة من حين نزول الحسن له واجتماع الناس أهل الحل والعقد عليه وتلك من حيث إنه وقع فيها أمور ناشئة عن اجتهادات غير مطابقة للواقع لا يأثم بها المجتهد لكنها تؤخر عن درجات ذوي الاجتهادات الصحيحة المطابقة للواقع وهم الخلفاء الأربعة والحسن رضي الله عنهم فمن أطلق على ولاية معاوية أنها ملك أراد من حيث ما وقع في خلالها من تلك الاجتهادات التي ذكرناها ومن أطلق عليها أنها خلافة أراد انه بنزول الحسن له واجتماع أهل
الحل والعقد عليه صار خليفة حق مطاعا يجب له من حيث الطواعية والانقياد ما يجب للخلفاء الراشدين قبله
ولا يقال بنظير ذلك فيمن بعده لأن أولئك ليسوا من أهل الاجتهاد بل منهم عصاة فسقة ولا يعدون من جملة الخلفاء بوجه بل من جملة الملوك بل من أشرهم إلا عمر بن عبد العزيز فإنه ملحق بالخلفاء الراشدين وكذلك ابن الزبير
وأما ما يستبيحه بعض المبتدعة من سبه ولعنه فله فيه أسوة أي أسوة بالشيخين وعثمان وأكثر الصحابة فلا يلتفت لذلك ولا يعول عليه فإنه لم يصدر إلا عن قوم حمقى جهلاء أغبياء طغام لا يبالي الله بهم في أي واد هلكوا فلعنهم الله وخذلهم أقبح اللعنة والخذلان وأقام على رؤوسهم من سيوف أهل السنة وحججهم المؤيدة بأوضح الدلائل والبرهان ما يقمعهم عن الخوض في تنقيص أولئك الأئمة الأعيان ولقد
الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة — صفحة 219
مساهمون: عبد الوهاب عبد اللطيف
ص٢١٩