الرتبتين ،
رتبة العالم ورتبة الجاهل في كثير من التكاليف واختصاص العالم منها بما لا يجب على
الجاهل .
وبهذا يتقرر لك أن ليس لأحد من العلماء المختلفين ، أو من التابعين لهم والمقتدين
بهم أن يقول : الحق ما قاله فلان دون فلان ، أو فلان أولى بالحق من فلان . بل الواجب
عليه - إن كان ممن له فهم وعلم وتمييز - أن يرد ما اختلفوا فيه إلى كتاب الله وسنة
رسوله صلى الله عليه وسلم ، فمن كان دليل الكتاب والسنة معه فهو على الحق وهو
الأولى بالحق . ومن كان دليل الكتاب والسنة عليه لا له كان هو المخطئ ، بل هو معذور ،
بل مأجور ، كما ثبت في الحديث الصحيح أنه " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران ، وإن
اجتهد فأخطأ فله أجر " فناهيك بخطأ يؤجر عليه فاعله ، ولكن هذا إنما هو للمجتهد
نفسه ، إذا أخطأ ، ولكن لا يجوز لغيره أن يتبعه في خطئه ، ولا يعذر كعذره ، ولا يؤجر
كأجره ، بل واجب على من عداه من المكلفين أن يترك الاقتداء به في الخطأ ويرجع إلى
الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة . وإذا وقع الرد لما اختلف فيه أهل العلم إلى
الكتاب والسنة كان من معه دليل الكتاب والسنة هو الذي أصاب الحق ووافقه ، وإن كان
واحدا ، والذي لم يكن معه دليل الكتاب والسنة هو الذي لم يصب الحق ، بل أخطأه ، وإن
كان عددا كثيرا ، فليس لعالم ولا لمتعلم ولا لمن يفهم - وإن كان مقصرا - أن يقول : إن
الحق بيد من يقتدي به من العلماء ، إن كان دليل الكتاب والسنة بيد غيره . فإن ذلك جهل
عظيم ، وتعصب ذميم ، وخروج من دائرة الإنصاف بالمرة ، لأن الحق لا يعرف بالرجال ، بل
الرجال يعرفون بالحق .
شرح الصدور بتحريم رفع القبور — صفحة 3
مساهمون: محمد بن علي الشوكاني
ص٣