شرح
قال بعض العلماء : ليس سمعه وعلمه تعالى بجارحة ، ولا بكيفيّة نفسانيّة انفعاليّة ، ليلزم الاشتراك بينه وبين السامعين والعلماء ، أو بينه وبين أسماعهم وعلومهم ، بل حقيقة ذاته المقدّسة التي هي محض الوجود الذي لا أتمّ منه ، تنكشف له المسموعات وتحضر لديه المعلومات ، وليس معنى السماع إلا حضور صورة المسموع عند قوّة إدراكيّة تسمّى بالسمع أو السامعة ، ولا العلم إلا حضور صورة المعلوم عند قوّة علميّة تسمّى بالعقل أو العاقلة ، وليس من شرط السماع أن يكون بآلة ولا بحلول صورة في ذات السامع أو في آلة منه ، بل معناه انكشاف المسموع وحضوره سواء كان بنفسه أو بصورته .
وكذا الكلام في العلم ، فإنّ ذاته تعالى سميع إذ ينكشف عنده المسموعات ، وسمع إذ به يقع ذلك الانكشاف لا بأمر آخر ، وكذا قياس كونه عليما وعلما ، انتهى .
والعفوّ : فعول من العفو ، وهو التجاوز عن الذنب وترك العقاب عليه ، وأصله المحو والطمس ، يقال : عفت الرياح الأثر : إذ محته وطمسته .
والغفور : بمعنى الغفّار ، ولكنّه ينبئ عن نوع مبالغة لا ينبئ عنه الغفار ، فإنّ الغفّار ، مبالغة في المغفرة بالإضافة إلى مغفرة متكرّرة مرّة بعد أخرى ، فالفعّال ينبئ عن كثرة الفعل ، والفعول ينبئ عن جودته وكماله وشموله ، فهو غفور بمعنى ، أنّه تام الغفران كاملها حتّى يبلغ أقصى درجات المغفرة .
قال الغزالي وغيره : وفي العفوّ مبالغة ليست في الغفور ، فإنّ الغفران ينبئ عن الستر ، والعفو ينبئ عن المحو ، وهو أبلغ من الستر ، لأنّ ستر الشيء قد يحصل مع بقاء أصله ، بخلاف المحو فإنّه إزالته جملة ورأسا . وعلى هذا ، فتقديمه مع كون القياس تأخيره رعاية لأسلوب الترّقي إلى الأعلى ، كما في قولهم : فلان عالم نحرير ، وشجاع باسل ، وجواد فيّاض ، لأنّ ما يدلّ على إزالة أصل الذنب أولى بالتقديم ممّا يدلّ