شرح
وقوله : « من أهل الأرض » بيان لجنس المصدّقين ، كقوله تعالى : فاجتنبوا الرجس من الأوثان
( 1 ) أي : المصدّقون الذين هم من جنس أهل الأرض أي :
البشر لبيان أنّ المقصود بالدعاء له هنا من صدّق من الثقلين ، وأمّا أهل السماء ومن هو من جنسهم من الملائكة وإن كانوا مصدّقين فقد سبق الدعاء لهم .
وقوله : « بالغيب » يجوز أن يكون صلة للتصديق ، فالباء للتعدية وهو واقع موقع المفعول الثاني ، وعلى هذا يكون الغيب بمعنى الغائب ، إمّا تسميته بالمصدر كما سمّي الشاهد بالشّهادة في قوله تعالى : عالم الغيب والشهادة ( 2 ) والعرب تسمّي المطمئن من الأرض غيبا ، وإمّا مخفّف فيعل كميت مخفّف ميّت ، وعلى التقديرين فالمراد به الخفي الذي لا ينفذ فيه ابتداء إلا علم اللطيف الخبير ، وإنّما نعلم نحن منه ما أعلمناه ونصب لنا دليلا عليه وذلك نحو : الصانع وصفاته والنبوّات وما يتعلَّق بها والبعث والنشور والحساب والوعد والوعيد وغير ذلك .
ويجوز أن يكون حالا فالباء للمصاحبة ، والغيب مصدر على حاله بمعنى الغيبة والخفاء كما في قوله تعالى : يخشون ربّهم بالغيب ( 3 ) وقوله : ليعلم أنّي لم أخنه بالغيب ( 4 ) أي : ومصدّقوهم ملتبسين بالغيبة إمّا عن المصدّقين : أي غائبين عن الرسل غير مشاهدين لما فيهم من شواهد النبوّة لما روي أنّ أصحاب ابن مسعود ذكروا أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وإيمانهم فقال ابن مسعود : إنّ أمر محمّد صلَّى الله عليه وآله وسلَّم كان بيّنا لمن رآه ، والذي لا إله غيره ما آمن مؤمن أفضل من الإيمان بغيب ، ثمّ تلا قوله تعالى : الذين يؤمنون بالغيب ( 5 ) .
وإمّا عن الناس أي : غائبين عن المؤمنين لا كالمنافقين الذين وإِذا لقوا
هامش
( 1 ) سورة الحج : الآية 30 .
( 2 ) سورة التوبة : الآية 94 و 105 ، وسورة المؤمنون : الآية 92 .
( 3 ) سورة فاطر : الآية 18 .
( 4 ) سورة يوسف : الآية 52 .
( 5 ) الدر المنثور : ج 1 ص 26 .