شرح
يخلقها الله تعالى فيه . والآفات والآلام الَّتي تراها في هذا العالم لا تنافي رحمته سبحانه لأنّ كلَّها مستتبعة لمصالح وغايات لا يعلمها إلا هو ، وأنّها ضروريّة في الوجود لاشتمالها على خيرات أكثر من الشرور .
ثمّ إطلاق الراحم عليه تعالى وعلى غيره إنّما هو من باب الاشتراك اللفظي دون المعنى ، إذ لا شركة بينه وبين غيره في المعنى أصلا ، فإنّ رحمته تعالى تناسب ذاته المقدّسة ( 1 ) ، أو هي عبارة عن إحسانه ولطفه بعباده . ورحمة غيره رقّة وانعطاف يقتضي الشفقة واللطف بالخلق . وهو سبحانه منزّه عن هذا المعنى ، وقد سبق بيان ذلك في الروضة الأولى ( 2 ) فلا وجه لإعادته .
وممّا يناسب إيراده هنا ما رواه أصحاب السير أنّه أوقف صبيّ في بعض الغزوات ينادى عليه بمن يزيد في يوم صائف شديد الحر ، فبصرت به امرأة وهو ينادى عليه ، فعدت مسرعة إليه وأخذته وألصقته إلى بطنها ، ثمّ ألقت ظهرها على البطحاء وأجلسته على بطنها تقيه الحرّ وتقول : ابني ابني ، فبكى الناس وتركوا ما هم فيه . فأقبل رسول الله صلَّى الله عليه وآله حتّى وقف ( 3 ) عليهم فأخبروه فقال :
أعجبتم من رحمة هذه ابنها ، إنّ الله أرحم بكم جميعا من هذه بابنها . فتفرّق المسلمون وهم فرحون مستبشرون ( 4 ) .
اللهمّ إنّا نسألك يا أرحم الراحمين برحمتك الَّتي وسعت العالمين أن ترحمنا رحمة تغنينا بها عن رحمة من سواك ، وأن تجعلنا ممّن وسعه رحمتك ورضاك ، إنّك أجود مسؤول وأكرم مأمول .
قال مؤلَّفه عفا الله عنه : وفّق الله لإتمام هذه الروضة صبح يوم الجمعة الأغرّ لستّ بقين من شوّال المبارك أحد شهور سنة سبع وتسعين ، والحمد لله ربّ العالمين .
هامش
( 1 ) في " ألف " : القدسية .
( 2 ) ج 1 ص 378 .
( 3 ) في " ألف " : وقعت .
( 4 ) المحجة البيضاء : ج 8 ص 389 .