قوله عليه السلام « فيسبغ الوضوء » يدل على استحباب الإسباغ مع الأخبار المتواترة والمشهور أن الإسباغ غسل كل عضو مرتين ، والأحوط الصب مرتين والغسل مرة وملاحظة وصول الماء إلى أعضائه بل مع الدعوات والإشارات التي تقدم بعضها ، فإن المراد بالإسباغ الإكمال وهو أعم من الصوري والمعنوي بل الاهتمام بالمعنوي أكثر ولهذا ورد أن سيد الساجدين صلوات الله عليه كان يتغير وجهه ويضطرب أعضاؤه عند الوضوء « ثمَّ يتنحى حيث لا يراه أنيس » أو آنس ، وهو محمول على النوافل فإن إخفاءها أفضل لأنه أبعد من الرياء بخلاف الفرائض ، فإن إيقاعها في المسجد جماعة أفضل ، ويمكن تعميمه بأن يتوجه إلى الله تعالى بحيث لا يتوجه إلى أحد أنه يراه فإن الخلوة خلوة القلب مع الله تعالى فرب خلوة تكون القلب فيها مشتغلا إلى الغير ورب جماعة تكون خلوة ، وتختلف بالنظر إلى الأشخاص والمدار على الإخلاص وحضور القلب فمن كان بالنظر إليه في الخلوة أتم ، فالخلوة وإلا فالتفصيل « فيشرف الله عز وجل عليه » الظاهر أنه كلما كان متوجها إليه تعالى كان إقباله تعالى إليه أكمل وأتم بالفضل والرحمة والقرب المعنوي وإشارة إلى أن على العبد أن يلاحظ أشراف الله تعالى عليه ولا يتوجه إلى غيره تعالى مطلقا سيما حال مناجاته وحضوره مع الله « وهو راكع وساجد » لما كانا أفضل أحوال الصلاة فينبغي أن يكون الحضور فيهما أتم وأكمل ويطيلهما ما لم يخرج عن كونه مصليا ، فروي عن الصادق صلوات الله عليه أنه كان يسبح خمسمائة تسبيحة والظاهر أنه كان في النوافل أو الفرائض بدون الجماعة أو الجماعة مع خلص أصحابه الذين يريدون الإطالة وإلا فالتخفيف أولى كما سيجيء إن شاء الله تعالى ، واستغاثة إبليس بطول السجود فإنه أمر ولم يسجد وصار مطرودا ، فكلما كانت الصلاة أو السجود فيها أطول كانت استغاثته بالويل أكثر .
روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه — صفحة 48
مساهمون: محمد تقي المجلسي ( الأول )
ص٤٨