إدراك عظمته وجلاله أطلق هذه الإطلاقات عليه تعالى بالنسبة إلى إفهامهم لعلها تصل بالتدريج إلى أنه تعالى فوق ما كان يطلق عليه تعالى ، فإنها إذا عقلت أنه تعالى أجود المسؤولين فلا معنى لسؤال غيره تعالى ، وإذا علم أنه تعالى أوسع المعطين لعظمة خزائن جوده وإحسانه فلا يخطر بباله الرجاء من المخلوقين ، وإذا تفكر في أن غيره تعالى مفتقر إليه في جميع حالاته وهو الواجب بالذات القادر العالم الجواد ، علم أنه لا يجوز له ولغيره أن يدعو المحتاج الفقير ويدع الجواد الفياض المحسن المجمل الفعال لما يريد ، أو يرجو من غيره تعالى فيصل بالأخرة إلى مرتبة يعلم أن ما سواه تعالى باطل إلا كل شيء ما خلا الله باطل - والوجود والكمالات له تعالى .
« ويا أسمع السامعين ويا أبصر الناظرين » إما من السماع والنظر بمعنى أنه أعلم بالمسموعات والمبصرات من غيره تعالى ، فيبعث العبد على أن لا يفعل ما يكرهه تعالى ويفعل ما يحبه ، وإما من السماع بمعنى الإجابة تجوزا لأن من يريد قضاء حاجة أحد يسمع قوله ومن يريد الإحسان إلى أحد ينظر إليه ، فهو تعالى أسمع السامعين لأنه تعالى لا يرد دعاء الكافرين والمعاندين له تعالى وينظر إليهم ويرزقهم ويربيهم ويحسن إليهم فكيف المؤمنين « ويا خير الناصرين » فإن نصرته تعالى نصرة وخير بخلاف نصرة غيره ، فإن أكثره شر وما يكون خيرا فهو مشوب بالامتنان والزوال ، مع أنها أيضا منه تعالى لأنه ما لم يهيئ أسباب توفيق الناصر لا يمكنه النصرة « ويا أسرع الحاسبين » فإنه روي أنه تعالى يحاسب جميع الخلق يوم الحساب في أسرع من طرفة عين وكل واحد منهم يرى أنه تعالى يحاسبه وحده كما في تربية العالمين وأرزاقهم
روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه — صفحة 392
مساهمون: محمد تقي المجلسي ( الأول )
ص٣٩٢