بعد وفاة عبد المطلب وعبد الله ، حتى بلغ الخامسة والعشرين فزوجه ، واستقل محمد ( ص )
ببيت خاص . ولما شرف الله رسوله بالنبوة وجهر بها ، وقف عمه أبو طالب إلى
جنبه بكل نفوذه الأدبي وبكل قواه ، فحماه ، وتصدى لخصومه .
فقد وحد الهاشميين والمطلبيين وشجعهم على حضور أول اجتماع سياسي في دار النبي
( ص ) بعد قليل من إعلان نبأ النبوة . وهو الذي تصدى لخصوم النبي ( ص ) في ذلك الاجتماع
ولجمهم ( 1 ) . وهو الذي أرسى قواعد تأييد الهاشميين والمطلبيين للنبي ، وإعلان هذين
البطنين حمايتهما للنبي ودعوته الخالدة ( 2 ) . وهو الذي أعلن أمام قريش بأنها إذا قتلت
محمدا فإن الهاشميين والمطلبيين سيقاتلون حتى الفناء التام ( 3 ) . وهو الذي خاطب
النبي أمام قريش قائلا : يا بن أخي إذا أردت أن تدعو إلى ربك فأعلمنا متى نخرج معك
بالسلاح ( 4 ) . وهو الذي كان يستقبل بطون قريش ويسمع لمطالبها وينقل رد النبي
عليها ( 5 ) . وهو الذي قدم بنيه للنبي وشجعهم على التضحية بأرواحهم فداء للنبي ( 6 ) .
وهو الناطق الرسمي باسم النبي عندما أكلت الأرضة صحيفة المقاطعة ، وهو الذي قاد
عملية الرجوع من الشعب إلى مكة عندما حوصر الهاشميون في شعب أبي طالب ( 7 ) . وهو
شاعر الإسلام وحامي حماه ، لذلك فإنك لن تجد عجبا إذا سمى رسول الله العام الذي مات
فيه أبو طالب بعام الحزن ( 8 ) .
حسد قريش ووقوفها ضد النبي ودعوته .
عندما أعلن الرسول الأعظم محمد بن عبد الله الهاشمي ( ص ) أنباء النبوة والرسالة
والكتاب : كانت قريش تتعايش في ظل صيغة سياسية جاهلية قائمة على اقتسام مناصب الشرف
، فكانت السقاية والرفادة لبني هاشم ، وهو منصب من أخطر المناصب آنذاك ، وكانت
القيادة لبني هاشم ، وكان اللواء لبني عبد الدار ، والسفارة لتيم . . . إلخ ( 9 ) .
كانت قريش تشعر بالقلق والحسد من التميز الهاشمي ، وتحس بأن هذا التميز يشكل خطرا
على الصيغة السياسية ، فقد برزت من بني هاشم شخصيات ، فرضت نفوذها الأدبي على قريش
خاصة والعرب عامة ، فكان هاشم سيد قريش حتى مات ، ثم صار عبد المطلب
هامش
1 - الكامل لابن الأثير ج 2 ، ص 24 .
2 - الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ، ص 186 .
3 - الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ، ص 186 .
4 - تاريخ اليعقوبي ج 2 ، ص 27 .
5 - رواه ابن إسحاق في سيرته .
6 - سيرة ابن هشام ج 1 ، ص 265 : وتاريخ الطبري ج 2 ، ص 214 .
7 - راجع الغدير ج 7 ، ص 304 - 404 .
8 - تاريخ اليعقوبي ج 2 ، ص 35 .
9 - راجع تفصيل ذلك في كتاب المواجهة لأحمد حسين يعقوب ص 26 وما فوق .