البديهي أن نفهم أن اختيار طرف المباهلة المذكور هو اختيار إلهي ، ومن قبيل تماسك
الأحكام الإلهية وتصديق بعضها ، ثم إن ضرب يوم للمباهلة ، واستقطاب ذلك الحشد الكبير
من الناس ، ما هو إلا - في أهم جوانبه - من قبيل إقامة الحجة على السامعين
والمشاهدين ومن بلغ .
والسؤال الذي يدعو للتفكير والتدبير هو : لماذا لم يدع الرسول بقية بناته
وأزواجهن ؟ ولماذا لم يدع الرسول زعامة قريش التي تصدرت قيادة الأمة ؟ ولماذا
اقتضت الحكمة أن تكون هذه الحادثة مشهودة من فئات تمثل الديانات السماوية الثلاثة
؟ وأول ما يتبادر إلى الذهن - جوابا على هذه التساؤلات - هو أن الله سبحانه وتعالى
يريد أن يميز أهل بيت النبوة عن سواهم ، وأن يعرف الناس بصفوة الصفوة ، فيحدد
النقطة المركزية لدائرة الأمة ، وللدائرة العالمية ، ويحدد العلم الذي يلتف الناس
حوله ، تبارك الله الحكيم العليم .
سادة العالم وأئمة الهدى الطاهرون ( ع ) .
الأمة الإسلامية مجمعة على أن محمدا ( ص ) هو سيد ولد آدم ورسول الله الذي اختاره ،
وهي مجمعة على أن فاطمة البتول هي ابنة النبي ، وسيدة نساء العالمين ، وأن زوجها هو
ابن عم النبي ، وفارس الإسلام الأوحد ، ورباني هذه الأمة ، ووليها ومولاها ، وسيد
العرب ، وسيد المسلمين ، بالنص الشرعي ، وقد وثقنا ذلك وسنوثقه .
وقد أمر الله نبيه أن يزوج عليا فاطمة ليخرج من هذين الزوجين ذرية النبي المباركة ،
وحصر الله تعالى ذرية النبي بمن يخرج من هذين الزوجين : لأن الأمة الإسلامية خاصة ،
والعالم عامة ، سيحتاج بالضرورة إلى قائد وحاكم ، أو إمام أو مرجع في كل زمان ، ومن
مصلحة العالم - وبكل المقاييس - أن يقوده الأفضل والأعلم والأطهر والأتقى الذي تأمن
الناس بوائقه ، وتطمئن إلى نقائه ، توفيرا على الأمة مشقة البحث والعناء والتحري عن
بغيتها التي تريد ، فأول ما ينبغي على الأمة المسلمة هو التحري إن كان في ذرية
محمد ، عمن هو أهل للقيادة أو الإمامة ، أو المرجعية : لأن ذرية محمد هي القاسم
المشترك بين الجميع ، وبالضرورة فيها المؤهل إلهيا لقيادة الأمة ، وبيان القرآن
الكريم ، والإحاطة بمعرفة السنة النبوية الشريفة ، ومعرفة الشرع معرفة قائمة على
الجزم واليقين : لأنهم ورثوا علوم النبوة من أبيهم رسول الله ( ص ) ، ونصوص الشرع
الحنيف ، وما تواتر عن النبي يثبت بما لا يدع مجا للشك ، بأن الله تعالى لم يترك
الأمر سدى ، وإنما أقام للناس في كل زمان علما يهتدون إليه ، ومرجعا يدركون
الهدى به ، والخلاصة أنه في كل زمان من الأزمان يجب أن يتوافر بالضرورة سيد من تلك
الذرية المباركة ، مؤهل من جميع الوجوه لقيادة العالم .
إن بيت عبد المطلب هو خير البيوت بنص الشرع كما وثقنا ، وهو بيت النبي المبارك ،
والبطن الهاشمي هو خير البطون بنص الشرع ، وهو بطن النبي كما هو معروف بالبداهة ،
فأهل بيت النبوة لا ينبغي بالضرورة أن يخرجوا عن هاتين الدائرتين ، فأهل البيت شرعا
هم هؤلاء أو
رجال تركوا بصمات على قسمات التاريخ — صفحة 34
مساهمون: السيد لطيف القزويني
ص٣٤