أسباب : منها : أنه الرجل الاسلامي المثالي في عبادته وأخلاقه وعلمه ونسبه في نظر
الجميع . ومنها : أنه القائد والموج لقواعد شعبية واسعة من المسلمين . ومنها : أنه
يمثل جبهة المعارضة ضد السلطات الحاكمة . ومنها : أن السلطة تسعى لاستمالته إلى
البلاط واخضاعه لرغباتها - ولكن دون جدوى - .
ومن المعلوم أن الشخص الذي يحمل بعض هذه الخصائص ، فضلا عن جميعها يكون لولده من
بعده شأن كبير وخبر ذائع .
فكان أقرب تخطيط للخروج من هذا المآزق ، هو ترك الإعلان الاجتماعي عن ولادة المولود
الجديد كلية ، وكأن شيئا لم يحدث على الاطلاق ، بالنسبة إلى الفهم العام ، وترك
الاحداث تسير في مجراها الاعتيادي من دون إثارة أي انتباه أو فضول أوشك من أحد في
شئ من النشاط أو القول أو العمل . حتى أن خادم الباب في بيت الإمام العسكري لم ينتبه
إلى شئ ولم يفهم شيئا ، ( 1 ) إذ أنه ما لم يحصل الشك والانتباه لم يحصل الفحص
والسؤال .
ومما ساعد الإمام العسكري ( ع ) على الإخفاء مساعدة كبرى ، تطبيقه سياسة الاحتجاب على
نفسه ، وانقطاعه عن أصحابه ومواليه الا بواسطة المراسلات ، كما عرفنا : حيث استطاع
عليه السلام بذلك تحقيق نتيجتين أساسيتين ، إحداهما : تعويد قواعده الشعبية على فكرة
الاحتجاب والقيادة غير المباشرة ، كما سبق أن أوضحنا . وثانيتهما : استقطاب المهام
التي كان يقوم بها ، والحوادث التي كان يعيشها . . بشكل منفرد ، بعيد عن الانتباه
وتسليط الأضواء والضوضاء . . لا يكاد يعرف بكل مهمة أحد الا أهل الصلات بها . وحيث كان
اخفاء ولده من مهامه الرئيسية ، فلم يكن ذلك بممتنع عليه بعد تخطيط الاحتجاب .
وقد ساعد على الاخفاء أيضا مساعدة كبيرة ، تحول انتباه الدولة والمجتمع إلى حرب
صاحب الزنج الذي بدأ أعماله التخريبية في جنوب العراق والأهواز في عام ميلاد المهدي عليه السلام
. . عام 255 ه على المشهور في ميلاده . والمتتبع للتأريخ العام يعرف ما
أوجده هذا المخرب من الفزع والقلق في أذهان الشعب عامة والجهاز الحاكم بصورة خاصة .
ومن المعلوم أن المجتمع الذي يسوده القلق الذهني يكون تفكيره منصبا على ما يخاف
منه ، ومن الصعب أن يلتفت إلى شئ آخر . كالفرد إذا خاف وحشا ركز نظره وفكره
وقوته عليه ، وكذلك الحال بالنسبة للمجتمع . فكان حركة صاحب الزنج سببا مناسبا لصرف
الأذهان عن الالتفات إلى ميلاد الإمام المهدي عليه السلام .
الا أن هذه الفكرة ظلت تجيش بشكل غامض في ذهن السلطات المتمثلة في الخليفة المعتمد
العباسي نفسه . . وتتجلى بأوضح صورها على ما سوف يقوم به عند وفاة الإمام العسكري
عليه السلام . إذ يكون المعتمد العباسي في ذلك الحين مرتاحا بعض
هامش
1 - انظر اكمال الدين . ( مخطوط ) .