الغاية من دفع ولاية العهد إلى الإمام الرضا ( ع ) .
لقد كان المخرج من الأزمة السياسية التي أحاطت بالمأمون حسب تصوره ، هو مخاطبة
الامام علي بن موسى الرضا ( ع ) بقبول ولاية العهد ، والمشاركة في إدارة شؤون الدولة ،
ليضم إليه قوى المعارضة ويجمع جناحي القوة - العلوية والعباسية - بيده كما تصور .
ولبعض الكتاب والمؤرخين آراء أخرى في تفسير البيعة ونقل المأمون للخلافة من بنى
العباس إلى آل علي بن أبي طالب ( ع ) ، وهو تشيع المأمون لأهل البيت ( ع ) ، وتأثره
بشخصية الإمام الرضا ( ع ) ، لأنه كان أعلم وأورع وأكفأ أهل عصره . . . الخ .
الا أن الدلائل تشير إلى رجحان الرأي الأول ، أي أن ما فعله المأمون كان خطة عمل
سياسية تستهدف تهدئة الأوضاع ، وامتصاص روح الثورة والنقمة .
ذكر المؤرخون أن المأمون لما أراد أن ينفذ خطته هذه أحضر الفضل بن سهل وأخبره بما
عزم عليه ، وأمر بمشاورة أخيه الحسن في ذلك ، فاجتمعا وحضرا عند المأمون فجعل الحسن
يعظم ذلك ويعرفه ما في اخراج الامر عن أهل بيته ، فقال المأمون : عاهدت الله أنى إن
ظفرت بالمخلوع ( 1 ) سلمت الخلافة إلى ذي فضل من بنى آل أبي طالب ، وهو أفضل ولابد من
ذلك ، فلما رأيا تصميمه وعزيمته على ذلك أمسكا عن معارضته ، فقال : تذهبان الان إليه ،
وتخبرانه بذلك عني وتلزمانه به ، فذهبا إلى الرضا ( ع ) ، وأخبراه بذلك ، والزام
المأمون له بذلك فامتنع فلم يزالا به حتى أجاب على أنه لا يأمر ولا ينهى ، ولا يولى
ولا يعزل ، ولا يتكلم بين اثنين في حكم ، ولا يغير شيئا هو قائم على أصوله فأجابه
المأمون إلى ذلك ( 2 ) .
ثم دعا به المأمون فخاطبه فيما أراد من توليته فامتنع ، فقال له قولا شبيها
بالتهديد ، ثم قال له : إن عمر جعل الشورى في ستة أحدهم جدك ، وقال : من خالف فاضربوا
عنقه ، ولابد من قول ذلك ، فأجابه علي بن موسى إلى ما التمس ( 3 ) .
ان المتأمل في هذه النصوص التاريخية وفي الظروف والأوضاع السياسية ، يدرك أن الإمام الرضا
كان يدرك الخطة السياسية للمأمون ، وانه لم يكن مطمئنا إليها ، لذلك ثبت في
الشرط : انه لا يأمر ولا ينهى ، ولا يولى ولا يعزل ، ولا يتكلم بين اثنين في حكم ، ولا
يغير شيئا هو قائم على أصوله .
وكان يعرف ما تؤول إليه الأمور وينتهي إليه تفكير المأمون ، وأوضح ذلك لاحد خاصته .
فقد ذكر الشيخ المفيد ( رض ) عن المدائني : لما جلس الإمام الرضا علي بن موسى
عليهما السلام في الخلع بولاية العهد ، قام بين يديه الخطباء والشعراء ، وخفقت
هامش
1 - يعنى أخاه الأمين .
2 - ابن الصباغ المالكي / الفصول المهمة في معرفة أحوال الأئمة / ص 255 .
3 - أبو الفرج الأصفهاني / مقاتل الطالبيين / ص 562 المفيد / الارشاد / ص 310 .