وسار علي ( ع ) حتى إذا وصل مكة وقف بمنى ، وقرأ السورة المباركة ، ثم نادى بأعلى صوته :
لا تدخل الكعبة إلا نفس مؤمنة ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان له عهد عند رسول
الله فعهده إلى مدته ، ومن لم يكن له عهد ، فأجله أربعة أشهر ( 1 ) .
- الله ورسوله يعدان الأمة لتقبل القيادة الهاشمية - الإعداد لعصر ما بعد
النبوة : .
بمحمد النبي الأعظم ( ص ) صمد البطن الهاشمي المبارك ، وتكسرت على صخرة هذا الصمود
الفذ أعتى موجات الضغط والعداء ، التي عرفتها البشرية خلال مدة ال ( خمسة عشر ) عاما
التي قضاها النبي في مكة قبيل الهجرة .
ومن المسلم به بأن دين الإسلام هو آخر الأديان ، وفق الصيغة التي جاء بها رسول
الله ، وهو خاتم النبيين ، وبوقت يطول أو يقصر ، سينهي الله تعالى دورة الحياة الدنيا
برمتها ، وتقوم القيامة ، حيث ستبدأ دورة الحياة العليا الآخرة ، فاقتضت حكمته أن
يرتب الأمور ترتيبا محكما ، وأن يضع تحت تصرف المسلمين خاصة والبشرية جمعاء نظاما
سياسيا ، يستمر بعمر الحياة الدنيا ، ويلبي كامل الطموحات البشرية الواعية ، ومن
استعراض التاريخ البشري عبر مسيرته الموغلة بالقدم إلى يومنا هذا ، يتبين لنا أن
سبب كل الخلافات والاختلافات في أي مجتمع بشرى تنبع بالضرورة من مصدرين ، أحدهما
الرئاسة ، وثانيهما القانون ، فمن هو المستحق للرئاسة ؟ وما هو القانون الأفضل ؟
فإذا حسمت هاتان المسألتان الرئيسيتان حسما مقنعا : انقطع دابر الخلاف والاختلاف في
المجتمع ، وهناك إجماع في كل المجتمعات البشرية على أن الرئيس أو القائد يجب أن يكون
الأفصل والأعلم بالنواميس التي تسود المجتمع ، وهنالك إجماع آخر على أن القانون
السائد في المجتمع يجب أن يكون موضوعيا ومجردا وساريا على الجميع .
ولا يوجد في الدنيا فرد أو جماعة أو أمة ، تستطيع أن تؤكد لنا على وجه الجزم
واليقين أن هذا أو ذاك هو الأعلم والأفهم والأفضل والأنسب للقيادة والرئاسة .
إذن فالمطلب الحقيقي للجميع ليس الفرض والتخمين ، إنما الجزم واليقين . لذلك فإن
المؤهل والمختص بإعطاء وتقديم المعلومات اليقينية القائمة على الجزم واليقين هو
الله جل وعلا ، فهو الذي اختار محمدا ( ص ) وقدمه لنا رسولا ورئيسا وقائدا ، وأكد لنا
بأنه الأعلم والأفهم والأفضل والأنسب لقيادتنا ، وحسمها نهائيا يوم حصر تعالى
بنفسه حق اختيار الأفضل والأعلم أمام مشكلة القانون ، فجنب المسلمين محذور الوقوع
في المطبات التي وقعت فيها
هامش
1 - الطبرسي في أعلام الورى بأعلام الهدى ص 132 ، ومحمد حسين هيكل في حياة محمد ص
473 .