والسلام ( 1 ) .
وهكذا حطم الإمام موسى بصبره وثقته بالله سبحانه كل وسائل الجور والارهاب ، من
السجن والضغط والقيود والتزييف وتضليل الرأي العام ، فلم يكن أمام الرشيد الا الحل
الأخير وهو اغتيال الامام وانهاء حياته الشريفة ، وقد تخيل أنه سيسدل الستار بذلك
على أروع فصل من فصول الجهاد والثورة ضد الطغيان ، وسيطفئ نور الإمامة في أهل هذا
البيت ، ويتخلص من أعظم شخصية علمية وقيادية في عصره ، لذلك أقدم على الجريمة
الكبرى ، وقرر اغتيال الامام .
شهادة الإمام الكاظم ( ع ) :
رفض عيسى بن جعفر والى البصرة قتل الامام حين كلف بذلك واستعفى الرشيد منه ، وطلب
نقله من سجنه فنقله الرشيد إلى سجن الفضل بن الربيع ، فأثرت شخصيته ( ع ) في نفس الفضل
بن الربيع ، كما أثرت في نفس عيسى بن جعفر من قبل ، فرفض الفضل قتل الامام وتحمل
أوزار الجريمة التي أراد منه الرشيد أن يرتكبها فلم يجد الرشيد بدا من نقله إلى
الفضل بن يحيى ، فاستلمه الفضل بن يحيى ، ووسع عليه وخفف عنه أعباء السجن ، وطلب منه
الرشيد أن ينفذ في الامام جريمة القتل فرفض ، وحينما علم الرشيد بالمعاملة الحسنة
التي يبديها الفضل بن يحيى للامام شق عليه هذا الميل ، وعظم عليه هذا الموقف فأمر
بمعاقبة الفضل ، فجرد من ثيابه ، وضرب مئة سوط في مجلس العباس بن محمد .
فلم يجد الرشيد في أنصاره وحاشيته أفضل من مدير شرطته في بغداد ، السندي بن شاهك ،
وكان فظا غليظا قاسيا - شأن كل الجلادين والقتلة - .
وكما رأينا من سير البحث فإن السندي بن شاهك قد تسلم الامام من الفضل بن يحيى ،
ووضعه في سجنه فأرهقه بالسلاسل والقيود ، وضيق عليه وعامله معاملة خشنة قاسية ،
وحينما بلغ يحيى بن خالد خبر ابنه الفضل شق عليه موقف الرشيد من الفضل وضربه
وإهانته ، فأراد أن يسترضى الرشيد ، ويستميله ويرد اعتبار الأسرة عند الحاكم
العباسي . فلم ير ثمنا لشراء هذا الرضى الرخيص الا دم الامام الطاهر ، وقطع هذا
الغصن من شجرة النبوة وإغضاب رسول الله ( ص ) وفرى كبده .
فانطلق يحيى بن خالد إلى بغداد بعد أن تشاور مع الرشيد وأكد له أن الفضل شاب غير
مجرب ، ولا بارع في تنفيذ مخططات الجور والارهاب ، فعرض عليه استعداده للتوجه إلى
بغداد ( 2 ) ، فسر الرشيد بهذا المنفذ المطيع وأذن له بارتكاب الجريمة النكراء ، فتوجه
يحيى بن خالد إلى بغداد يتأبط الشر . ويخطط لارتكاب الجريمة وما أن وصل بغداد حتى
اجتمع بالسندي بن شاهك مدير شرطة الرشيد ، وقدم له صورة المخطط وكيفية التنفيذ ،
فأجاب متقبلا طائعا فدس السم في رطب قدم
هامش
1 - المجلسي / البحار / ج 48 / ص 231 نقلا عن المناقب .
2 - كان الرشيد وقتها في الرقة ببلاد الشام .