الذي احتفره لي خائبا مما أمله في دنياه ، متباعدا عما رجاه في آخرته ، فلك الحمد
على ذلك قدر استحقاقك . سيدي ، اللهم فخذه بعزتك ، وافلل حده عني بقدرتك ، واجعل له
شغلا فيما يليه ، وعجزا عما يناويه ، اللهم وأعدني عليه من عدوي حاضرة تكون من غيظي
شفاء ، ومن حقي عليه وفاء ، وصل اللهم دعائي بالإجابة ، وأنظم شكايتي بالتغيير ،
وعرفه عما قليل ما وعدت الظالمين ، وعرفني ما وعدت في إجابة المضطرين ، انك ذو الفضل
العظيم والمن الكريم .
قال : ثم تفرق القوم ، فما اجتمعوا الا لقراءة الكتاب الوارد عليه بموت موسى بن
المهدى ( 1 ) .
وهكذا انتهى الصراع بين هذا الحاكم العباسي وبين الإمام موسى بن جعفر ( ع ) ليبدأ
مرحلة جديدة مع الحاكم العباسي الجديد هارون الرشيد .
الإمام الكاظم والطاغية هارون الرشيد .
الذي يتابع بعض العبارات التي صدرت من أقرب الناس لبني العباس أو يتابع الاحداث ،
يدرك مدى الخوف والارهاب الذي زرعه العباسيون في نفوس الناس ، ويعرف أهمية موقف
الامام وتصديه لمواجهة الظلم والارهاب ، وكسر حاجز الخوف عند الناس .
فمثلا ، سجل التاريخ أن الفضل بن يحيى بن خالد البرمكي الذي كان من أخلص المقربين من
الرشيد ، يجرد من ثيابه ويضرب ويهان ويلعن في مجلس عام بطلب من الرشيد : لأنه رفه
عن الإمام الكاظم وخفف عنه آلام السجن ( 2 ) .
وهذا الفضل بن الربيع وهو من أبرز الساسة المقربين للرشيد ، ومن أعمدة البلاط
ووزرائه يتحدث عن موقف جرى له ، ويكشف عن عمق الخوف والارهاب في نفسه ، فيرسم لنا
صورة الارهاب العباسي .
قال : كنت ذات ليلة في فراشي مع بعض الجواري ، فلما كان في نصف الليل سمعت حركة باب
المقصورة ، فراعني ذلك ، فقالت الجارية : لعل هذا من الريح ، فلم يمض الا يسير حتى رأيت
باب البيت الذي كنت فيه قد فتح ، وإذا بمسرور الكبير قد دخل على ، فقال لي : أجب
الأمير ، ولم يسلم على ، فيئست من نفسي وقلت : هذا مسرور ، ودخل إلى بلا اذن ، ولم
يسلم ، ما هو الا القتل ، وكنت جنبا فلم أجسر أن أسأله إنظاري حتى أغتسل ، فقالت لي
الجارية لما رأت تحيري وتبلدي : ثق بالله عز وجل ، وانهض فنهضت ولبست ثيابي
وخرجت معه حتى أتيت الدار ، فسلمت على أمير المؤمنين وهو في مرقده ، فرد على السلام ،
فسقطت ، فقال : تداخلك رعب ؟ قلت : نعم يا أمير المؤمنين . فتركني ساعة حتى سكنت ( 3 ) .
هامش
1 - الصدوق / عيون أخبار الرضا ج 1 / ص 79 .
2 - أبو الفرج الأصفهاني / مقاتل الطالبيين / ص 503 .
3 - الصدوق : عيون أخبار الرضا ج 1 ، ص 74 . /