ان القارئ والمتأمل في هذه الوثيقة التاريخية ، وهو يعرف موقع الفضل بن الربيع من
هارون الرشيد ، ويتأمل في نصوص الوثيقة ، يعرف مدى الخوف والارهاب والاستهانة بكرامة
الانسان ، فأقرب المقربين وأبرز أركان السلطة وعمادها يعيش هذا الشعور ويعاني من
هذه العقدة ، فكيف بالمعارضين وبمن لا تربطهم بقصر الخليفة رابطة ؟ وكيف بعامة
أفراد الأمة ؟ ! .
نقل أن يحيى ابن خالد البرمكي لما قدم إلى بغداد ، لتدبير عملية اغتيال الإمام موسى
بن جعفر ( ع ) ، فوجئ الناس به فاستولى الذعر والخوف وشاعت الإشاعات ، وانتشرت
الأراجيف المعبرة عن الخوف ، وترقب الشر ، كما ورد في النص التاريخي .
ثم خرج يحيى بن خالد بنفسه على البريد حتى أتى بغداد ، فماج الناس وأرجفوا بكل
شئ ( 1 ) .
فالمتأمل لعبارة ( فماج الناس ، وأرجفوا بكل شئ ) يستطيع أن يدرك وبوضوح كامل طبيعة
علاقة الأمة بالسلطة ، ويعرف كيف كانت تساس الأمة وتدار شؤون الدولة ، وكيف كان
الحكام العباسيون وأنصارهم يقبضون على مقاليد الأمور وكيف كان موقف الامام بوجه
السلطة يمثل قمة المسؤولية ، ويعبر عن ضرورة عقائدية لانقاذ الأمة ، وكسر طوق الارهاب
المضروب عليها .
نماذج مأساوية لظلم العباسيين للعلويين .
ومن فجائع ما دون التاريخ ما ذكره حميد بن قحطبة أحد أمراء الرشيد إلى أحد خواصه ،
وهي قصة مأساوية فجيعة ( 2 ) ، تمثل محنة العلويين ، وظلم بنى العباس وقسوتهم . جاء في
القصة أن الرشيد لما كان بطوس استدعاه ] حميد بن قحطبة [ وسأله عن طاعته لأمير
المؤمنين ، فأجاب أنه مستعد أن ينفذ ما يطلب منه ، ولما اطمأن الرشيد إلى اخلاصه
للعرش العباسي وقدرته على التنفيذ ، أمر الخادم أن يناوله سيفا ويذهب إلى بيت مغلق
في وسطه بئر ، وفي البيت ثلاثة بيوت مغلقة ، فلما أدخله الخادم فتح أحد البيوت وإذا
في البيت عشرون علويا من ذرية علي بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول الله ( ص ) ، وهم شباب
وشيوخ وكهول مقيدون بالسلاسل والقيود ، فطلب منه قتلهم والقاءهم في البئر ففعل ،
ثم فتح البيت الثاني ووجد فيه مثل هذا العدد وأمره بقتلهم ففعل ، ثم فتح البيت
الثالث وفيه مثل هذا وأمره بقتلهم ففعل ، وكانت هذه القصة المأساوية سرا في
زنزانات الارهابيين والقتلة ، الا أن حميد بن قحطبة أفشى هذا السر بعد أن أخذت
تلاحقه أشباح الجريمة ، ويؤلمه وخز الضمير ، وبعد أن شعر بأن صورته الانسانية قد
مسخت ، وأنه توغل في الجريمة
هامش
1 - المجلسي / البحار / ج 48 / ص 234 ، نقلا عن الغيبة .
* حدثت هذه المأساة بعد شهادة الإمام موسى بن جعفر ( ع ) .