الإمام بعد استئثار معاوية بمقدرات المسلمين ، قال لمالك بن ضمرة عندما كلمه بشأن
الوثيقة : إني خشيت أن يجتث المسلمون عن وجه الأرض ، فأردت أن يكون للدين داع ،
وقال عليه السلام مخاطبا أبا سعيد :
يا أبا سعيد ، علة مصالحتي لمعاوية ، علة مصالحة رسول الله ( ص ) لبني ضمرة وبني
الأشجع ولأهل مكة ، حين انصرف من الحديبية ( 1 ) .
ولأهمية تلك الوثيقة وآثارها الايجابية المرجوة لمصلحة الإسلام والمسلمين : أشار
الإمام محمد الباقر ( ع ) إليها بقوله : والله للذي صنع الحسن بن علي ( ع ) كان خيرا لهذه
الأمة مما طلعت عليه الشمس ( 2 ) .
وكما أسلفنا ، قد سحق معاوية كل العهود والمواثيق تحت قدميه وأوغل في ايذائه لأهل
البيت ( ع ) وشيعتهم ، منها : مطاردة القيادات المؤمنة الموالية لأهل البيت ( ع ) في كل
الأمصار الاسلامية ، وقتل وتشريد الكثيرين منهم : سيما قتل الصحابي الجليل حجر بن
عدي الكندي وأصحابه ( رض ) ، وكذلك قطع العطايا والأرزاق ، وهدم الدور والمساكن ،
ونهب أموالها وإعطاؤها غنائم لعملاء السلطة .
ومن بين أخطر الموبقات التي ارتكبها معاوية ، الاستعانة ببعض الوعاظ المحترفين ذوي
النفوس الوضيعة ، الموالين له : لتشويه سيرة أهل البيت وسيدهم علي بن أبي طالب ( ع ) ،
وشتمه ( ع ) على المنابر ، إلى جانب وضع الأحاديث والروايات الملفقة من قبل وعاظ
السلطة ، التي من شأنها أن ترفع من معاوية وتؤكد شرعية حكمه .
الإمام الحسن ( ع ) بعد وثيقة الصلح .
بعد توقيع الوثيقة ، بقي الإمام الحسن ( ع ) في الكوفة أياما قليلة ، والألم يعتصر قلبه
للذي حصل ، ثم تهيأ للسفر إلى مدينة جده رسول الله ( ص ) ، وعندما تحرك موكبه
الشريف ، خرجت الكوفة برمتها ، شيبا وشبابا ، وهم يندبون حظهم العاثر ، والأسى يعلو
نفوسهم على ما آلت إليه الأمور ، وما قد يصيبهم بعد أن تركهم إمامهم .
وقد بدأ معاوية بنقل دار الخلافة والقيادة العامة من الكوفة إلى دمشق ، بعد أن دخل
جيش معاوية الكوفة وشدد قبضته عليها ، وأثار الهلع في نفوس الناس ، وصار من أمر
الناس في الكوفة بعد رحيل الحسن ( ع ) إلى المدينة ، أنه من كان يداهن السلطة وينافق
يجزل له العطاء ، ومن يعارض يقتل ، ومن يشم منه ولاؤه إلى علي وأهل بيته عليهم
السلام : يصرف عنه العطاء أو يسجن أو يقتل أو ينفى .
وما ان استقرت الدار بأبي محمد الحسن وأهل بيته ( ع ) في مدينة الرسول ( ص ) : حتى أخذ
يمارس مسؤولياته في خدمة الاسلام ، ليقود السفينة إلى شاطئ السعادة والخير والهدى ،
حيث أنشأ مدرسة وقيادة فكرية كبرى لتكون محطة اشعاع للهدى ، تهتدي الأمة من
هامش
1 - اعتمدنا في نقل كلام الإمام الحسن ( ع ) على كتاب ( حياة الإمام الحسن ) للقرشي ج 2 ص
277 .
2 - الكافي للكليني ط 2 ح 1389 ج 8 ص 330 .