فإن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لما نزل به الموت ولاني الأمر بعده ( 1 ) .
وفي موقف له مع حبيب بن مسلمة ، قال له : رب مسير لك في غير طاعة الله ، فقال له
حبيب : أما مسيري إلى أبيك فليس من ذلك ، قال : بلى والله ، ولكنك أطعت معاوية على
دنيا قليلة زائلة ، فلئن قام بك في دنياك لقد قعد بك في أخرتك ، ولو كنت إذ فعلت
شرا قلت خيرا . . . الخ ( 2 ) .
إن المتتبع لحياة الإمام الحسن بن علي عليهما السلام بعد أبيه أمير المؤمنين علي ( ع )
ودوره الايجابي في تلك الفترة العصيبة التي عاشها المسلمون ، في استنفار الجماهير ،
لنصرة الحق والذود عن الإسلام المحمدي الأصيل : يجد أن الإمام السبط ( ع ) قد صعق
لواقع المسلمين ، وأصيب بخيبة أمل ، حين تكشف له الأمر بتشتت أفكار الناس ،
وإصابتها بالذهول والارتباك والوهن إثر دعوته للجهاد والتجهز للحرب وتحمل
المسؤوليات .
فقد برزت معالم ضعف الرصيد الإيماني للكثير من الناس ، والانقياد المتذبذب لأمره ،
والخضوع للإشاعات الملفقة والدسائس التي كان يحيكها معاوية وأذنابه .
كل تلك الأسباب وما سيتبعها قد دفعت الإمام السبط ( ع ) إلى وضع مصلحة الإسلام العليا
فوق كل اعتبار ، من دماء الناس وغيرها ، بعد أن واجه الإمام السبط ( ع ) كل محاولات
معاوية التي سبقت الحرب بنفس متعالية ، لا تعرف إلا الحق ولا تطأطئ للباطل رأسا طرفة
عين .
فالجيش الذي يقوده الإمام الحسن ( ع ) سادته البلبلة ودب فيه المرجفون والأذناب ،
حتى كاد أن يسلم الإمام ( ع ) لعدوه . وإليكم أهم الحوادث الأليمة التي ألمت
بالإمام ( ع ) عبر مواجهته لغدر معاوية : .
1 - خيانة قائده على خط المواجهة - عبيد الله بن العباس - والتحاقه بمعاوية ، ومعه
ثلثا الطليعة التي كلفت بمواجهة العدو الزاحف : مما أثار موجة من الاضطراب والتفكك
في معسكر الإمام ( ع ) .
2 - إن القوات التي يقودها الإمام ( ع ) ذاته ، كانت تتوزعها الشعارات والأهواء والمصالح
والأفكار ( 3 ) ، ومن بين هؤلاء أيضا الحاقدون على أهل البيت ( ع ) ، الذين يتظاهرون
بعكس ذلك ، ومنهم أيضا عدد كبير من المتعاطفين مع الأمويين طمعا بالوعود المعسولة
من جانب معاوية ، وإلى جانب تلك الأمور ، هو سريان السأم من القتال في معسكر
الإمام ( ع ) ، سيما وإن قطعاته المقاتلة سبق أن خاضت حروبا ثلاث مع أبيه الإمام
علي ( ع ) ، وهي لما تندمل جراحاتها بعد .
3 - إغداق معاوية الأموال الوفيرة على زعماء القبائل وأصحاب الحل والعقد في المجتمع
العراقي ، فتمكن من نقض عزائمهم وتثبيطها على مسايرة الامام السبط ( ع ) في مواجهة
هامش
1 - مروج الذهب ج 2 ص 432 ، والفتوح لابن أعثم ج 4 ص 151 ، والمناقب ج 4 ص 31 .
2 - شرح النهج للمعتزلي ج 16 ص 18 .
3 - راجع الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص 161 .