دون المسلمين أفعل بها ما أشاء ، وإنه قد كان لأمك خديجة على أبيك مهر ، وإن أباك
قد جعلها لك بذلك ، وأنحلكيها لك ولولدك بعدك . ثم دعا النبي ( ص ) علي بن أبي طالب
فقال : أكتب لفاطمة بفدك نحلة من رسول الله .
فيمكن لنا أن نستخلص من قضية فدك الدوافع التي دعت أبا بكر وعمر بعيد وفاة الرسول
الأعظم ( ص ) إلى وضع أيديهما على ما ترك ( ص ) ، حيث كانت الزهراء ( ع ) قد أخذت العهد على
نفسها في أن ترفع صوتها عاليا بوجه الحاكم : للتعبير عن مظلوميتها وغصب حقها ، وهي
التي باهل بها الرسول نصارى نجران ، حيث كانت رمزا للمرأة المسلمة ( ونساءنا
ونساءكم ) ، وهي التي علمها الله وطهرها تطهيرا عن الشرك والمعاصي والكذب ، حيث قال
القرآن الكريم عنها وعن أهل بيتها : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل
البيت ويطهركم تطهيرا ) ( 1 ) .
إذا لم تكن فاطمة ( س ) امرأة عادية يمكن أن تتعرض للأهواء والشهوات ، أو تنحاز عاطفيا
ضد الحق : فقد ترجمت رفضها للحكم منذ الأيام الأولى لفقد أبيها ( ص ) ، وقد سجل التاريخ
أن الزهراء ( ع ) كانت تقف بصلابة ضد الانقلاب السياسي ، والانهيار الكبير اللذين حلا
بالمجتمع الإسلامي ، وكانت تستخدم قضية فدك لإدانة الحاكم سياسيا وأمام الملأ ، من
خلال عرض تجاوزه للحق ومخالفته للقرآن ، كما أن استنصارها الأنصار كان يحمل معنى
سياسيا أيضا ، وبكلمة أخرى كانت الساعد الأيمن لعلي ( ع ) في خوض معترك الخلافة
لصالحه .
ومن هنا يمكن لنا تلخيص المواقف والأهداف التي تبناها أبو بكر وعمر بعد وفاة
النبي ( ص ) ، فضلا عن فدك التي تركت أكبر الأثر في تاريخ الإسلام والمسلمين بما يلي :
1 - وضع مبدأ إبعاد الهاشميين عن مراكز الدولة ، وعن الوظائف العامة ، حتى لا يستغل
الهاشميون مناصبهم ، ويحاولوا الاستيلاء على الخلافة .
2 - عمل عمر على أن يحسم بسرعة خلافه مع أبي سفيان - الذي كان كما يبدو خارج اللعبة
- فأعطاه ما بيده من الصدقات ، وفيها حقوق الفقراء والمساكين ( 2 ) .
3 - لقد عين عمر يزيد بن أبي سفيان قائدا لجيوش الشام ، وعين أخاه معاوية نائبا له
مما أتاح للأمويين أن يتحينوا الفرص للاستيلاء على السلطة كلها .
4 - كذلك عمد عمر إلى إغراق أصحاب الخطر بالعطايا والصلات ، بعد أن ألغى سنة رسول
الله بالمساواة بين الناس في العطاء .
ومن نافلة القول ، يمكن لنا أن نذكر نقاطا عدة ترتبط أصلا بحيثيات القضية ( قضية
فدك ) ، ومنها :
أولا : إن أبا بكر لم يكن حاكما في القضية ، بل كان خصما .
ثانيا : إن الزهراء ( ع ) كانت صاحبة اليد ، فلم يكن له أن يطالبها بالشهود
هامش
1 - الأحزاب ، الآية 33 .
2 - راجع العقد الفريد ج 4 ص 257 ، وشرح النهج ج 9 ص 49 .