وللإجابة على هذا القول ، نقول : إن أمير المؤمنين ( ع ) كان يرى فدكا لأهل البيت ( ع )
لما سجله التاريخ ، وصرح به الإمام ( ع ) نفسه بوضوح في رسالته إلى عثمان بن حنيف ،
إذ يقول ( ع ) : . . . وسخت عنها نفوس آخرين .
ولما ولي معاوية بن أبي سفيان الخلافة أمعن في السرية ، وأكثر من الاستخفاف بالحق
المهضوم ، فأقطع مروان بن الحكم ثلث فدك ، وعمر بن عثمان ثلثها ، ويزيد ابنه ثلثها
الآخر ، فلم يزالوا يتداولونها حتى خلصت كلها لمروان بن الحكم ، ثم صفت لعمر بن
عبد العزيز ( كما أسلفنا في أمره برد فدك ) ، ولما انقرضت دولة بني أمية تلاقفها بنو
العباس ، فبعد أن صارت بيد أبي العباس السفاح ، ردها على عبد الله ابن الحسن بن الحسن
بن علي بن أبي طالب ، ثم قبضها أبو جعفر المنصور من بني الحسن ، وردها المهدي بن
المنصور على الفاطميين ، ثم قبضها موسى بن المهدي من أيديهم ، ولم تزل في أيدي
العباسيين حتى تولى المأمون الخلافة ، فردها على الفاطميين سنة 210 ه ، كما أسلفنا .
فقد كتب المأمون إلى عامله على المدينة قثم بن جعفر ، يأمره برد فدك على ورثة فاطمة
( ع ) بنت رسول الله ( ص ) ، بحدودها وجميع حقوقها المنسوبة إليها ، وما فيها من الرقيق
والغلات وغير ذلك ، وتسليمها إلى محمد بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين
بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ، ومحمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب
عليهما السلام ، ولما تولى المتوكل الخلافة ، انتزعها من الفاطميين ، وأقطعها عبد الله
بن عمر البازيار .
فالمسألة إذا ليست مسألة ميراث ونحلة ، إلا بالمقدار الذي يتصل بموضوع السياسة
العليا . وليست مطالبة بعقار أو دار ، فالممعن في دراسة خطوات النزاع وتطوراته ،
والمناحي التي نحاها لا يفهم منها أنها مجرد مطالبة بأرض : بل يتجلى له منها مفهوم
أوسع من ذلك ، ينطوي على غرض طموح يبعث إلى استرداد عرش مسلوب ومجد عظيم أجهض ،
وتقويم أمة انقلبت على أعقابها .
ويكفينا لإثبات ذلك أن نلقي نظرة على الخطبة التي خطبتها الزهراء ( ع ) في مسجد
الرسول ( ص ) ، أمام الخليفة الأول وبين يدي الجمع المحتشد من المهاجرين والأنصار ، فقد
دارت هذه الخطبة حول امتداح علي والثناء على مواقفه الخالدة في الإسلام ، وتسجيل حق
أهل البيت الذين وصفتهم بأنهم الوسيلة إلى الله في خلقه ، وخاصته ، ومحل قدسه ،
وحجته على عباده ، وورثة أنبيائه في الخلافة والحكم ، وإلفات نظر المسلمين إلى حظهم
العاثر ، واختيارهم المرتجل وانقلابهم على أعقابهم ، وورودهم غير مشربهم ، وإسنادهم
الأمر إلى غير أهله ، والفتنة التي سقطوا فيها ، والدواعي التي دعتهم إلى نبذ الكتاب ،
ومخالفته فيما يحكم به في موضوع الخلافة والإمامة .
ولم يؤثر عن نساء النبي ( ص ) أنهن خاصمن أبا بكر في شئ من ميراثهن . أكن أزهد من
الزهراء ( ع ) في متاع الدنيا ، وأقرب إلى ذوق أبيها في الحياة ؟ ! . أو أنهن اشتغلن
بمصيبة رسول الله ( ص ) ، ولم تشتغل بها الزهراء ؟ ! .
ومذهب الشيعة في تفسير ما قام به رسول الله ( ص ) من تجنيد جيش أسامة معروف ، وهو
إنه ( ص ) أحس بأن ثمة اتفاقا ما بين جملة من أصحابه على أمر معين ، وقد يجعل هذا
الاتفاق
رجال تركوا بصمات على قسمات التاريخ — صفحة 103
مساهمون: السيد لطيف القزويني
ص١٠٣