رحى الإسلام ، ودرّ حلب الإيمان ، وخضعت نعرة الشرك ، وبأخت نيران الحرب ،
وهدأت دعوة الهرج ، واستوثق نظام الدين ، فأنّى حرتم بعد البيان ، ونكصتم بعد
الإقدام ، وأسررتم بعد الإعلان ، بؤساً لقوم نكثوا أيمانهم ، أتخشونهم فالله أحقّ أن
تخشوه إن كنتم مؤمنين ، ألا قد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض وركنتم إلى الدعة
فعجتم عن الدين ، ومججتم الّذي وعيتم ، ودسعتم الّذي سوّغتم ، فإن تكفروا أنتم
ومن في الأرض جميعاً فإنّ الله لغنيّ حميد .
ألا وقد قلت الّذي قلته على معرفة منّي بالخذلان الّذي خامر صدوركم
واستشعرته قلوبكم ، ولكن قلته فيضة النفس ، ونفثة الغيظ ، وبثة الصدر ، ومعذرة
الحجّة ، فدونكموها فاحتقبوها مدبرة الظهر ، ناقبة الخفّ ، باقية العار موسومة بشنار
الأبد ، موصولة بنار الله الموقدة الّتي تطّلع على الأفئدة ، فبعين الله ما تفعلون
وسيعلم الّذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون ، وأنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد ،
فاعلموا إنّا عاملون وانتظروا إنّا منتظرون ( 1 ) .
وروى أيضاً ، أنّه لمّا مرضت فاطمة ( عليها السلام ) المرضة الّتي توفّيت بها دخل النساء
عليها ، فقلن : كيف أصبحت من علّتك يا بنت رسول الله ؟ قالت : " أصبحت والله
عائفة لدنياكم ، قالية لرجالكم ، لفظتهم بعد أن عجمتهم ، وشنأتهم بعد أن سبرتهم ،
فقبحاً لفلول الحدّ ، وخور القنا وخطل الرأي ، وبئس ما قدمت لهم أنفسهم : أن سخط
الله عليهم وفي العذاب هم خالدون ، لا جرم لقد قلّدتهم ربقتها ، وشنت عليهم
عارها ، فجدعاً وعقراً وبعداً للقوم الظالمين ، ويحهم ! أنّى زحزحوها عن رواسي
الرسالة وقواعد النبوّة ومهبط الروح الأمين الطبين بأُمور الدنيا والدين ، ألا ذلك
هو الخسران المبين . وما الّذي نقموا من أبي الحسن ( عليه السلام ) ؟ نقموا والله نكير سيفه ،
وشدّة وطأته ، ونكال وقعته ، وتنمّره في ذات الله ، وبالله لو تكافؤوا على زمام نبذه
رسول الله لسار بهم سيراً سجحاً ، لا يكلّم خشاشه ، ولا يتعتع راكبه ، ولأوردهم
هامش
( 1 ) بلاغات النساء : 14 - 18 .