بها . لقد تخلوا عن مزاجهم الحربي و استكانوا للترف الذي لا يعتقدون بإمكانية توفره في الهياج السريع و المشاريع المجهدة المشكوك في نتائجها .
هؤلاء القوم من أكثر رجال العالم إسرافا في اللهو و أقلهم اكتراثا بالمستقبل ، كما أسلفت . ليس بوسعهم الاحتفاظ بالمال أو أي ثروة تأتي إليهم ، إذ أنهم يبذرونها في وقت قصير . على سبيل المثال ، إذا منح الملك خمسين أو مئة ألف ليرة إلى رجل ما ، سيقوم هذا بصرفها في أقل من أسبوعين على شراء عبيد من الجنسين ، و الاقتران بزوجات جميلات و تجهيز عربة نبلاء و تأثيث بيت أو شراء ملابس فاخرة لنفسه . و بهذا ، ينفق المبلغ بسرعة دون اعتبار للأيام القادمة ، و إن لم تأته منح جديدة خلال شهرين أو ثلاثة ، يجبر سيدنا على بيع عربته و كل تجهيزاتها تدريجيا ، بدءا بخيوله ثم خدمه غير الضروريين ، و بعد ذلك خليلاته و عبيده ، و أخيرا حتى ملابسه الشخصية . شهدت آلاف الحالات المشابهة ، واحدة منها في منتهى الغرابة . كان خصي مسؤولا كبيرا في بيت أحد نبلاء البلاط الكبار و كان مفضلا في السنتين الأخيرتين ، و يملك سلطة تخوله طرد أي موظف من وظيفته ، و يأمر كما لو كان الملك بعينه ، و عليه حصل على فرص لجني ثروات ضخمة . حين أسقط من دائرة المفضلين عند سيده ، لم يحرم من أملاكه . و لم يكد يمر شهران حتى أجبر على الاستدانة و رهن أملاكه . لقد انتهت أملاكه كما نفدت أمواله لأنه أنفقها بالسرعة التي جناها .
أكثر ما هو جدير بالثناء و الإطراء في أخلاق الفرس لطفهم مع الغرباء . يعود حسن استقبالهم و حمايتهم لهم و كرمهم و تسامحهم الغامر إلى الدين ، باستثناء رجال الدين الذين هم مثل كل أمثالهم في العالم ، يكرهون إلى حد عظيم كل من يختلف عن معتقداتهم . الفرس متحضرون جدا و في غاية الاستقامة في موضوع الدين ، لدرجة أنهم يسمحون لمن اعتنق الإسلام من ديانة أخرى أن يرتد إلى ديانته السابقة ، بينما يمنحهم رجل دين شهادة مصدقة تضمن سلامتهم ، يطلق عليها " مرتد " ، و هذه
رحلات في فارس — صفحة 87
مساهمون: ژان شاردن
ص٨٧