وفيه في عرض الحسين ( عليه السلام ) على أصحابه فسخَ بيعته وأن يذهبوا حيث
شاؤوا : قال الضحّاك بن عبد الله المشرقي : فقام إليه مسلم بن عوسجة فقال : أنحن
نخلّي عنك ؟ ولما نعذر إلى الله في أداء حقّك ؟ أما والله ! حتّى أكسر في صدورهم
رُمحي وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ، ولا أُفارقك ؛ ولو لم يكن معي
سلاح أُقاتلهم لقذفتهم بالحجارة دونك حتّى أموت معك ( 1 ) .
وفيه : أنّ عمرو بن الحجّاج حمل على الحسين ( عليه السلام ) في ميمنة عمر بن سعد من
نحو الفرات ، فاضّربوا ( 2 ) ساعة ، فصُرع مسلم بن عوسجة أوّل أصحاب الحسين ( عليه السلام )
ثمّ انصرف عمرو بن الحجّاج وأصحابه وارتفعت الغبرة ، فإذا هم به صريع ، فمشى
إليه الحسين ( عليه السلام ) فإذا به رمق ، فقال : رحمك ربّك يا مسلم ! منهم من قضى نحبه
ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا . ودنا منه حبيب بن مظاهر ، فقال : عزّ عليّ
مصرعُك يا مسلم ! أبشر بالجنّة ! فقال له مسلم قولا ضعيفاً : بشّرك الله بالخير ، فقال
له حبيب : لولا أنّي أعلم أنّي في أثرك لاحق بك من ساعتي هذه لأحببت أن
توصيني بكلّ ما أهمّك حتّى أحفظ لك في كلّ ذلك بما أنت أهل له في القرابة
والدين ، قال : بل أنا أُوصيك يرحمك الله بهذا - وأهوى بيده إلى الحسين ( عليه السلام ) - أن
تموت دونه ، قال : أفعل وربّ الكعبة ؛ فما كان بأسرع من أن مات في أيديهم ،
وصاحت جارية له فقالت : يا ابن عوسجتاه ! يا سيّداه ! فتنادى أصحاب عمرو بن
الحجّاج : قتلنا مسلم بن عوسجة ، فقال شبث لبعض من حولَه من أصحابه : ثكلتكم
أُمّهاتكم ! إنّما تقتلون أنفسكم بأيديكم وتذلّلون أنفسكم لغيركم ، تفرحون أن يقتل
مثل مسلم بن عوسجة ، أما والّذي أسلمت له لرُبّ موقف له قد رأيته في المسلمين
كريم ، لقد رأيته يوم سلَق آذربيجان قتل ستّة من المشركين قبل تتامّ خيول
المسلمين ، أفيقتل منكم مثله وتفرحون ؟ ! وكان الّذي قتل ابن عوسجة مسلم بن
عبد الله الضُبابي وعبد الرحمن بن أبي خشكارة البجلي ( 3 ) .
هامش
( 1 ) تاريخ الطبري : 5 / 419 .
( 2 ) وفي المصدر : فاضطربوا .
( 3 ) تاريخ الطبري : 5 / 435 - 436 .