وأقول : عذيره فاروقهم حيث استعمله مع علمه بكفره ودرجة عداوته مع الله
ورسوله وحدّ خبثه ودهائه ، ولقد كان يحتجّ لوجوب طاعته باستعمال عمر له ، كما
أنّ بتدبيره الأمر لعثمان الّذي كانت ولايته ولاية معاوية ، بل باقي بني أُميّة ولاّه
وولاّهم .
وفي الطبري : ذمّ معاوية عند عمر يوماً ، فقال : دعونا من ذمّ فتى قريش من
يضحك في الغضب ولا ينال ما عنده إلاّ على الرضا ولا يأخذ ما فوق رأسه إلاّ من
تحت قدميه ( 1 ) .
وفي بلاغات أحمد بن أبي طاهر : أنّه لمّا أتى نعي يزيد بن أبي سفيان قيل لهند
- أُمّه - : إنّا لنرجو أن يكون في معاوية خلف منه ، قالت : أو مثل معاوية يكون خلفاً
من أحد ! والله لو جمعت العرب من أقطارها ثمّ رمي به فيها لخرج من أيّها شاء .
وقيل لها : إن عاش معاوية ساد قومه ، فقالت : ثكلته إن لم يسد إلاّ قومه ( 2 ) .
وفي الطبري : قال عمرو بن العاص : ما رأيت معاوية متّكئاً قطّ واضعاً إحدى
رجليه على الأُخرى كاسراً عينه يقول لرجل تكلّم إلاّ رحمته ( 3 ) .
وفيه : قال فليح : أُخبرت أنّ عمرو بن العاص وفد إلى معاوية ومعه أهل مصر ،
فقال لهم عمرو : أُنظروا إذا دخلتم على ابن هند فلا تسلّموا عليه بالخلافة ، فإنّه
أعظم لكم في عينه ، وصغّروه ما استطعتم . فلمّا قدموا عليه قال معاوية لحجّابه : إنّي
أعرف ابن النابغة وقد صغّر أمري عند القوم ، فانظروا إذا دخل الوفد فتعتعوهم أشدّ
تعتعة تقدرون عليها ، فلا يبلغني رجل منهم إلاّ وقد همّته نفسه بالتلف ؛ فكان أوّل
من دخل عليه رجل من أهل مصر يقال له : " ابن الخيّاط " فدخل وقد تعتع ، فقال :
السلام عليك يا رسول الله ، فتتابع القوم على ذلك ، فلمّا خرجوا قال لهم عمرو بن
العاص : لعنكم الله ! نهيتكم أن تسلّموا عليه بالإمارة فسلّمتم عليه بالنبوّة .
وفيه : خرج عمر إلى الشام فرأى معاوية في موكب يتلقّاه وراح إليه في
هامش
( 1 ) لم نعثر عليه .
( 2 ) بلاغات النساء : 142 .
( 3 ) تاريخ الطبري : 5 / 335 .