يطعنون في أبي هريرة ، قال : وأما أصحاب الرأي فان أمرهم في باب الخبر والقياس عجيب ، فتارة
يرجحون القياس على الخبر ، وتارة بالعكس .
أما الأول : فهو أن مذهبنا ، أن التصرية سبب مثبت للرَّد ، وعندهم ليس كذلك ، ودليلنا : ما أخرج في
الصحيحين عن أبي هريرة ، أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال : لا تصرّوا الإبل والغنم ، فمن ابتاعها
بعد ، فإنه يخيّر النظرين بعد أن يحلبها ثلاثاً ان رضيها أمسكها وان سخطها ردّها ، وردّ معها وصاعاً من
تمر ( 1 ) .
واعلم أن الخصوم لمّا لم يجدوا لهذا الخبر تأويلاً البتة بسبب ، أنه مفسر في محل الخلاف ، اضطروا
إلى أن يطعنوا في أبي هريرة ، وقالوا : انه كان متساهلاً في الرواية ، وما كان فقيهاً ، والقياس على خلاف
هذا الخبر ، لأنه يقتضي تقدير خيار العيب بالثلاث ، ويقتضي تقويم اللبن بصاع من تمر من غير زيادة
ولا نقصان ، ويقتضي اثبات عوض في مقابلة لبن حادث بعد العقد ، فهذه الاحكام مخالفة للأصول
فوجب ردّ ذلك الخبر لأجل القياس .
وذكر ابن حجر في فتح الباري في كتاب البيوع : أنه قال الحنابلة : واعتذر الحنفية عن الأخذ بحديث
المصراة باعذار شتى ، فمنهم من طعن في الحديث لكونه من رواية أبي هريرة ، ولم يكن كابن مسعود
وغيره من فقهاء الصحابة ، فلا يؤخذ بما رواه مخالفاً للقياس الجليّ ( 2 ) .
هامش
1 . صحيح البخاري كتاب البيوع ، باب النهي للبايع أن لا يحفل الإبل . . . رقم 2148 و 2150 .
2 . فتح الباري ، كتاب البيوع 4 : 290 .