پرش به محتوای اصلی

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحه 484

پدیدآورندگان:

ص۴۸۴
النبي صلى الله عليه وسلم : صدقت ، ولعمري أنّ اليقين إذا وجد والزهد إذا حصل سهل والورع والإخلاص وهما عمدة الأعمال . وحكي عن يوسف بن أسباط وحذيفة المرعشي وغيرهم من عباد أهل الشام أنّ قائلهم يقول : منذ ثلاثين سنة ما حاك في صدري شيء إلَّا تركته ، وبعضهم يقول : منذ أربعين سنة ما وقف قلبي عن شيء وتخالج فيه إلَّا تركته ، وقال بعضهم : منذ ثلاثين سنة ما أبالي على أي حال رآني الناس إلَّا أن يكون حاجة الإنسان . وحكي أنّ بعض الورعين وقع منه دينار فانكبّ ليأخذه ، فوجد دينارين فلم يعرف ديناره منها فتركهما معا . وحكي أنّ امرأة من المتعبّدات من أهل القلوب سألت إبراهيم الخواص عن تغير وجدته في قلبها فقال : عليك بالتفقد فقالت : قد تفقدت فما وجدت شيئا أعرفه ، فأطرق ساعة ثم قال : ألَّا تذكرين ليلة المشعل فقالت : بلى فقال : هذا التغير من ذلك . فذكرت أنها كانت تغزل فوق سطح لها فانقطع خيطها ، فمر مشعل السلطان فغزلت في ضوئه خيطا وأدخلت في غزلها ، ونسجت منه قميصا فلبسته قال : فنزعت القميص وباعته وتصدقت بثمنه ، فرجع قلبها إلى الصفا . قد حكي عن ذي النون المصري رحمه الله فوق ذلك أنه لما سجن لم يأكل طعاما ولم يشرب أياما ، فوجهت إليه امرأة يعرفها من العابدات بطعام إلى السجن وقالت : هذا من حلال ، فلم يأكله فقالت له بعد ذلك ، فقال : ذلك الطعام من حلال إلَّا أنه جاءني في طريق حرام فلم آكله فقالت : وكيف ذلك قال : جاءني في يد السجان وهو ظالم فلذلك لم آكله وهذه خصال الورعين . والورع هو باب الزهد ومفتاح الخوف وحقيقة الصدق ، فعموم الورع أول عموم الزهد وخصوصه أول خصوص الزهد . فينبغي للعبد أن يبتدئ بطلب الحلال فيكون هو همه وقصده ، فيجعل ما استطاب من المكاسب وأعلى ما قدر عليه مما يسلم فيه ، فيجعل ذلك لحاجة نفسه فيما يطعم ويلبس ، ويجعل ما دخل عليه من الشبهات مما في نفسه منه جزازات في مئونة عياله وفيما يرتقق به من مئونة البيت مما لا يطعم ولا يلبس ، مثل الحطب والبز وأجرة البيت وما أشبه ذلك . وسنذكر تمثيل ذلك بصور الألوان حتى تعرفه . وفي هذه رخصة وله فيه مجاهدة وحسن نية ومعاملة إذا أخذ نفسه به وصبر عليه ، وكان ذلك من باله وهمه فاحتسب في ذلك ما عند الله عزّ وجلّ ، وتحرى بذلك لدين الله عزّ وجلّ . فإنّ الله عزّ وجلّ يشكر له سعيه ، ويجزل عليه أجره ، وهذا طريق يوصل إلى الله عزّ وجلّ وهو محجة كثير من السلف . ولو أنّ عبدا شك في شيء فتحرز منه شكر الله له نيته ، وإن كان قد أخطأ حقيقة الشيء عنده فكان الشيء حلالا في علم الله عزّ وجلّ ولو أنه أقدم على شيء بقلَّة مبالاة فلم